محمد الغزالي
175
خلق المسلم
من خيره ونتنفس في جوه ، وندرج على أرضه ، ونستظل بسمائه . والإنسان بإزاء النعمة الصغيرة من مثله يخزى أن يقدم إلى صاحبها إساءة ، فكيف لا يوجل الناس من الإساءة إلى ربهم ، الذي تغمرهم آلاؤه من المهد إلى اللحد ، وإلى ما بعد ذلك من خلود طويل ؟ إن حق اللّه على عباده عظيم ، ولو قدروه حق قدره لسارعوا إلى الخيرات يفعلونها من تلقاء أنفسهم ، ولباعدوا عن السيئات خجلا من مقابلة الخير المحض ، بالجحود والخسة . عن ابن مسعود : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « استحيوا من اللّه حق الحياء ، قلنا : إنا نستحيي من اللّه يا رسول اللّه - والحمد للّه - قال : ليس ذلك . . الاستحياء من اللّه حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى ، والبطن وما حوى ، وتذكر الموت والبلى . ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا ، وآثر الآخرة على الأولى . فمن فعل ذلك فقد استحيا من اللّه حق الحياء » « 1 » . وهذه العظة - ويقال إنّها لابن مسعود - تستوعب كثيرا من آداب الإسلام ومناهج الفضيلة ، فإن على المسلم تنزيه لسانه أن يخوض في باطل ، وبصره أن يرمق عورة أو ينظر شهوة ، وأذنه أن تسترق سرا أو تستكشف خبئا . وعليه أن يفطم بطنه عن الحرام ، ويقنعه بالطيب الميسور . ثم عليه أن يصرف أوقاته في مرضاة اللّه ، وإيثار ما لديه من ثواب ، فلا تستخفه نزوات العيش ومتعه الخادعة . فإن فعل ذلك عن شعور بأن اللّه يرقبه ، ونفور من اقتراف تفريط في جنب اللّه فقد استحيا من اللّه حق الحياء . والحياء بهذا الشمول هو الدين كله ، فإذا أطلق على طائفة من الأعمال الجميلة فهو جزء من الإيمان وأثر له . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : و « الإيمان بضع وسبعون « 2 » شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا اللّه ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان » « 3 » .
--> ( 1 ) الترمذي . ( 2 ) وفي رواية : بضع وستون . ( 3 ) البخاري .