محمد الغزالي
173
خلق المسلم
يستحي منها . وقد قيل : من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر . . . ومن ثم كان لزاما على المسلم أن يبتعد عن الدنايا ، ما ظهر منها وما بطن ، سواء خلا بنفسه أو برز إلى الناس . وفي الأثر : « ما أحببت أن تسمعه أذناك فأته ، وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه » . * * * إن الحياء ملاك الخير ، وهو عنصر النبل في كل عمل يشوبه ، قال رسول اللّه : « ما كان الفحش في شيء إلّا شانه ، وما كان الحياء في شيء إلا زانه » « 1 » . فلو تجسم الحياء لكان رمز الصلاح والإصلاح : عن عائشة أن رسول اللّه قال لها : « لو كان الحياء رجلا لكان رجلا صالحا ، ولو كان الفحش رجلا لكان رجلا سوءا » « 2 » . ومن حياء الإنسان مع الناس أن يعرف لأصحاب الحقوق منازلهم ، وأن يؤتي كل ذي فضل فضله . فللغلام مع من يكبرونه ، وللتلميذ مع من يعلمونه مسلك يقوم على التأدب والتقديم ، فلا يسوغ أن يرفع فوقهم صوته ، ولا أن يجعل أمامهم خطوه ؟ وفي الحديث : « تواضعوا لمن تعلّمون منه » « 3 » . . . وفي الحديث كذلك : « اللهمّ لا يدركني زمان لا يتبع فيه العليم ، ولا يستحيي فيه الحليم » « 4 » . وعن عبد اللّه بن بسر : لقد سمعت حديثا منذ زمان : « إذا كنت في قوم « 5 » فتصفحت وجوههم فلم تر فيهم رجلا يهاب في اللّه عز وجل ، فاعلم أن الأمر قد رقّ ! ! » « 6 » . وليس الحياء جبنا ، فإن الرجل الخجول قد يفضل أن يريق دمه على أن يريق ماء وجهه ، وتلك هي الشجاعة في أعلى صورها .
--> ( 1 ) الترمذي . ( 2 ) الطبراني . ( 3 ) الطبراني . ( 4 ) أحمد . ( 5 ) القوم : عشرون رجلا أو أقل أو أكثر . ( 6 ) أحمد .