محمد الغزالي
172
خلق المسلم
الأفئدة بالضجر من طول ما يتحدثون ، وقد كره الإسلام هذا الصنف . قال رسول اللّه : « من تعلم صرف الكلام « 1 » ليستبي به قلوب الرجال لم يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا » « 2 » . وقال : « إن اللّه يبغض البليغ من الرجال ، الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة » « 3 » . وسر هذا البغض أن أخبار هؤلاء لا تخلو من التزيد ، وأحوالهم لا تخلص من الرياء واستئثارهم بالمجالس متنفس لعلل خلقية كان الحياء علاجها الشافي لو أنهم استمسكوا به ، ولذلك جاء في بعض الآثار أن العي أفضل من هذا الإفصاح ، وهو عي اللسان لا عي القلب . ومن الحياء أن يخجل الإنسان من أن يؤثر عنه سوء ، وأن يحرص على بقاء سمعته نقية من الشوائب ، بعيدة عن الإشاعات السيئة . . فإن الغيبة إنما تحرم فيمن سترت حاله ، أما من كشف صفحته وأظهر سوءته فإن الناس لن يبلغوا منه ما يبلغ من نفسه ، ولذلك أمر رسول اللّه من لوّثته قاذورات المعاصي أن يتوارى عن الأعين . وعندما رآه بعض أصحابه مع زوجته في ناحية من المسجد استوقفهم لينبئهم بأنه ليس مع امرأة غريبة عنه . والفارق واضح بين من يطلب بعمله السمعة ، ومن يذود عن سمعته ظنون العباد . واتقاء المسلم للناس لا يعني النفاق بإبطان القبيح وإظهار الحسن . كلا ، بل المراد عدم الجهر بالقبائح والاستحياء من مقارفتها علانية . فإن الرجل الذي يخجل من الظهور برذيلة لا تزال فيه بقية من خير ، والرجل الذي يطلب الظهور بالفضيلة لا تزال فيه بقية من شر . . . على أن الإنسان ينبغي أن يخجل من نفسه كما يخجل من الناس ، فإذا كره أن يروه على نقيضة فليكره أن يرى نفسه على مثلها ، إلا إذا حسب نفسه أحقر من أن
--> ( 1 ) صرف الكلام : بلاغته . ( 2 ) أبو داود . ( 3 ) الترمذي .