محمد الغزالي
171
خلق المسلم
وهذا ترتيب دقيق في وصفه لأمراض النفوس وتتبعه لأطوارها ، وكيف تسلّم كل مرحلة خبيثة إلى أخرى أشد نكرا . فإن الرجل إذا مزق الحجاب عن وجهه ، ولم يتهيب على عمله حسابا ، ولم يخشى في سلوكه لومة لائم ، مدّ يد الأذى للناس ، وطغى على كل من يقع في سلطانه . ومثل هذا الشخص الشرس لن يجد قلبا يعطف عليه بل إنه يغرس الضغائن في القلوب وينميها . وأيّ حب لامرىء جريء على اللّه وعلى الناس ، لا يرده عن الآثام حياء ، فإذا صار الشخص بهذه المثابة لم يؤتمن على شيء قط ، إذ كيف يؤتمن على أموال لا يخجل من أكلها أو على أعراض لا يستحي من فضحها ، أو على موعد لا يهمه أن يخلفه ، أو على واجب لا يبالي أن يفرط فيه ، أو على بضاعة لا يتنزه عن الغش فيها ؟ فإذا فقد الشخص حياءه وفقد أمانته أصبح وحشا كاسرا ينطلق معربدا وراء شهواته ويدوس في سبيلها أزكى العواطف ، فهو يغتال أموال الفقراء غير شاعر نحوهم برقة ، وينظر إلى آلام المنكوبين والمستضعفين فلا يهتز فؤاده بشفقة . إن أثرته الجامحة وضعت على عينيه غشاوة مظلمة ، فهو لا يعرف إلا ما يغويه ويغريه بالمزيد . . . ويوم يبلغ امرؤ هذا الحضيض فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام . وللحياء مواضع يستحب فيها . فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يطهر فمه من الفحش ، وأن ينزه لسانه عن العيب ، وأن يخجل من ذكر العورات ، فإن من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابىء بمواقعها وآثارها . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة والبذاء من الجفاء والجفاء في النار » « 1 » . ومن الحياء في الكلام أن يقتصد المسلم في تحدثه بالمجالس ، فإن بعض الناس لا يستحيون من امتلاك ناصية الحديث في المحافل الجامعة ، فيملأون
--> ( 1 ) أحمد .