محمد الغزالي

170

خلق المسلم

هب البعث لم تأتنا رسله * وجاحمة النار لم تضرم « 1 » أليس من الواجب المستحق * حياء العباد من المنعم ؟ ؟ وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أرق الناس طبعا ، وأنبلهم سيرة ، وأعمقهم شعورا بالواجب ، ونفورا من الحرام : عن أبي سعيد الخدري : « كان رسول اللّه أشد حياء من العذراء في خدرها ، وكان إذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه » « 2 » . * * * إنّ الإيمان صلة كريمة بين العباد وربهم ، ومن حق هذه الصلة ، بل أثرها الأول تزكية النفوس ، وتقويم الأخلاق ، وتهذيب الأعمال . ولن يتم ذلك إلا إذا تأسست في النفس عاطفة حية ، تترفع بها أبدا عن الخطايا ، وتستشعر الغضاضة من سفساف الأمور . أما الإلمام بالمحاقر « 3 » دون تورع ، والوقوع في الصغائر دون اكتراث ، فذلك دلالة فقدان النفس لحيائها . ثم فقدانها لإيمانها . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الحياء والإيمان قرناء جميعا ، فإذا رفع أحدهما رفع الآخرة » « 4 » . وعلة ذلك أن المرء حينما يفقد حياءه يتدرج من سئ إلى أسوأ ، ويهبط من رذيلة إلى أرذل ولا يزال يهوي حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل . . وقد روي عن رسول اللّه حديث يكشف عن مراحل هذا السقوط ، الذي يبتدئ بضياع الحياء وينتهي بشر العواقب : « إن اللّه عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدا نزع منه الحياء . فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا « 5 » . فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة . فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا . فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة . فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا . فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقة الإسلام » « 6 » .

--> ( 1 ) جاحمة النار : أي جهنم ، وتضرم : توقد . ( 2 ) مسلم . ( 3 ) المحاقر : الأمور الحقيرة . ( 4 ) الحاكم . ( 5 ) أي مبغضا . ( 6 ) ابن ماجة .