محمد الغزالي

142

خلق المسلم

فالمتعرض لآلام الحياة ، يدافعها وتدافعه ، أرفع عند اللّه درجات من المنهزم القابع بعيدا ، لا يخشى شيئا ولا يخشاه شيء . . وما ادخره اللّه لأولئك العانين الصابرين يفوق ما ادخره لضروب العبادات الأخرى من ثواب جزيل : « يود أهل العافية يوم القيامة ، حين يعطى أهل البلاء الثواب ، لو أن جلودهم كانت قرضت بالمقاريض » « 1 » . ومن الغرائب أن بعض الناس فهم أن الإسلام يمجد الآلام لذاتها ويكرم الأوجاع والأوصاب لأنها أهل التكريم والموادة . وهذا خطأ بعيد ، فعن أنس بن مالك قال : رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم شيخا يهادي بين ابنيه ، فقال : ما بال هذا ؟ قالوا : نذر أن يمشي ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه عن تعذيب هذا نفسه لغنيّ » وأمره أن يركب « 2 » . وعن ابن عباس أن أخت عقبة نذرت الحج ماشية ، وذكر عقبة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنها لا تطيق ذلك ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه لغنيّ عن مشي أختك ، فلتركب ولتهدي بدنة » « 3 » . وقال اللّه عزّ وجل : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ؟ « 4 » . إنما يحمد الإسلام لأهل البلوى وأصحاب المتاعب رباطة جأشهم وحسن يقينهم ، وهو إذ يذكر لهم الأسقام التي يعانونها ، أو الضوائق التي يواجهونها ، لا يعنيه منها إلا ما تنطوي عليه من امتحان يجب اجتيازه بقوة وتسليم ، لا باسترخاء وتسخّط على القدر : ورد أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دخل على امرأة مريضة فوجدها تلعن الداء وتسب الحمى ، فكره منها هذا المسلك وقال لها مواسيا : « إنها - أي الحمى - تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد » « 5 » .

--> ( 1 ) الترمذي . ( 2 ) البخاري . ( 3 ) أبو داود . ( 4 ) النساء : 147 . ( 5 ) مسلم .