محمد الغزالي

143

خلق المسلم

فهل معنى ذلك أن نربي جراثيم المرض ونهديها إلى من نحب ؟ كذلك يريد بعض الناس أن يفهم . والجنون فنون ! ! . والإنسان في إبان المعركة قد يمرغ في التراب ، وقد يضطره الحرج إلى اقتحام المذاهب المعنتة ، ولكنه في تقلبه على الخشن من أحوال الحياة لا يزيد من اللّه إلا قربا ، ما دام وثيق الإيمان ، رفيع الرأس . ومن الخطل أن يحسب المسلم تلاحق الأذى عليه آية على نسيان اللّه له ، وإبعاده من رحمته ، لكن هذا الفهم ساد بين المسلمين للأسف في عصور الانحلال والاضمحلال ، وقد أسلفنا القول إن مصاعب الحياة تتمشى مع همم الرجال علوا وهبوطا . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » « 1 » . فهو نبي تربى في حجور أنبياء ، وتحدر من شجرة عريقة ، وهو كريم على اللّه بالاجتباء والرسالة . . . فانظر إلى هذا الكريم كيف قضى مراحل حياته الأولى وهو يخرج من ضائقة ليدخل في أختها . فقد أمه وهو طفل ، ثم تآمر عليه إخوته فاختطفوه من أحضان أبيه ورموا به في البئر ، ليلقى في غيابتها مصيره المجهول . واستنقذه السيارة ليمتلكوه عبدا ، ثم يبيعوه في سوق الرقيق بثمن بخس دراهم معدودة . وابتاعه ملك مصر ، فما إن آواه في القصر حتى تعرض للدسائس الماكرة ، فاتّهم وهو العفيف المحصن ، بأنه يبغي السوء . ومع ظهور براءته فقد طرح في السجن مع الأشقياء لا أياما أو شهورا ، بل بضع سنين ! ! ولو أن شخصا آخر نظر إلى ماضيه فوجده مثقلا بالآلام على هذا النحو لضاق بالأرض وتنكر للسماء ، بيد أن يوسف الصدّيق بقي متألق اليقين وراء

--> ( 1 ) البخاري .