محمد الغزالي
124
خلق المسلم
تَبْذِيراً . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ ، وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً « 1 » . ومضى السياق في الإيصاء بالمحتاجين وصيانة وجوههم فأمر المسلم أن يرجيهم الخير ، وأن يرد بميسور من القول إذا كان لا يملك إيتاءهم ما يبتغون . وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً « 2 » . ودعوة الإسلام إلى الجود والإنفاق مستفيضة مطّردة ، وحربه على الكزازة والبخل موصولة متّقدة . وفي الحديث : « السخي قريب من اللّه ، قريب من الناس ، قريب من الجنة ، بعيد من النار . والبخيل بعيد من اللّه ، بعيد من الناس ، بعيد من الجنة ، قريب من النار ، ولجاهل سخيّ أحب إلى اللّه تعالى من عابد بخيل » « 3 » . إنه لم يوجد في الدنيا - ولن يوجد - نظام يستغني البشر فيه عن التعاون والمواساة ، بل لا بد لاستتباب السكينة وضمان السعادة من أن يعطف القوي على الضعيف ، وأن يرفق المكثر بالمقل ، ما دامت طبيعة المجتمع البشري أن تتجاور فيه القوة والضعف والإكثار والإقلال . ولو كان المال في وفرته وندرته يتبع ما أوتي الناس من مواهب معنوية لاكتنز البعض الكثير وعاش البعض على الكفاف ، فتلك سنن الخليقة التي لا افتعال فيها ، وإنما يتسرب الشقاء إلى الناس عندما يحيون متقاطعين لا يعرفون إلا أنفسهم ومطالبها فحسب ؛ مع أن اللّه عز وجل خلط الناس بعضهم ببعض ، وجعل اختلاطهم على اختلاف أحوالهم اختبارا عويصا يمحص به الإيمان ويوزع به الفضل : وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ ؟ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً « 4 » . ولن تنجح أمة في هذا المضمار إلا إذا وثقت الصلات بين أبنائها ، فلم تبق
--> ( 1 ) الإسراء : 26 - 27 . ( 2 ) الإسراء : 28 . ( 3 ) الترمذي . ( 4 ) الفرقان : 20 .