محمد الغزالي

125

خلق المسلم

محروما يقاسي ويلات الفقر ، ولم تبق غنيا يحتكر مباهج الغنى . وفي الإسلام شرائع محكمة لتحقيق هذه الأهداف النبيلة ، من بينها تنشئة النفوس على فعل الخير وإسداء العون وصنائع المعروف . ونتائج هذه التنشئة السمحة لا يسعد بها الضعاف وحدهم ، بل يرتد أمانها واطمئنانها إلى الباذلين أنفسهم ! فتقيهم زلازل الأحقاد وعواقب الأثرة العمياء : قال اللّه تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ . فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ . وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ « 1 » . إن الفقر معرّة إذا لصقت بالإنسان أحرجته ، وهبطت به دون المكانة التي كتب اللّه للبشر ، وإنها لتوشك أن تحرمه الكرامة التي فضل اللّه بها الإنسان على سائر الخلق ، وإنه لعزيز على النفس أن ترى شخصا مشقوق الثياب ، تكاد فتوقه تكشف سوءته ، أو حافي الأقدام أبلى أديم الأرض كعوبه وأصابعه ، أو جوعان يمد عينيه إلى شتى الأطعمة ثم يرده الحرمان وهو حسير . والذين يرون هذه الصور الفاحشة ثم لا يكترثون بها ليسوا بشرا وليسوا مؤمنين . فبين البشر عامة رحم يجب أن توصل وألا تمزقها الفاقة . وقضية الإيمان أن يرهب المرء ربه في أمثال أولئك البائسين . ولقد حدث أن رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أحد هذه المناظر الحزينة فشق عليه مرآها ، فجمع المسلمين ثم خطبهم ، فذكرهم بحق الإنسان على الإنسان وخوفهم باللّه واليوم الآخر ، وما زال بهم حتى جمعوا ما أغنى وستر . . عن جرير قال : كنا في صدر النهار عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فجاءه قوم عراة مجتابي النمار - مشقوقي الملابس - عامتهم من مضر ، فتمعّر وجه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لما رأى بهم من الفاقة - تغير وحزن - فدخل ثم خرج ، فأمر « بلالا » فأذن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال :

--> ( 1 ) القتال « محمد » : 38 .