محمد الغزالي

117

خلق المسلم

وقال رجل للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أوصني ولا تكثر علي لعلي لا أنسى ! قال : « لا تغضب » « 1 » وهذه الإجابة المقتضبة خير ما يرد به على سؤال يصاغ في هذه العبارة ! . وقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم ينصح من جاؤوه مسترشدين بما يلائم طباعهم ويوافق بيئتهم ، وقد يوجز أو يطنب وفق ما تقضي به الأحوال . والجاهلية التي عالج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم محوها كانت تقوم على ضربين من الجهالة ، جهالة ضد العلم وأخرى ضد الحلم ، فأما الأولى فتقطيع ظلامها يتم بأنواع المعرفة وفنون الإرشاد ، وأما الأخرى فكف ظلمها يعتمد على كبح الهوى ومنع الفساد ، وقد كان العرب الأولون يفخرون بأنهم يلقون الجهل بجهل أشد . ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا فجاء الإسلام يكفكف من هذا النزوان ، ويقيم أركان المجتمع على الفضل ، فإن تعذّر فالعدل . ولن تتحقق هذه الغاية إلا إذا هيمن العقل الراشد على غريزة الغضب . وكثير من النصائح التي أسداها الرسول للعرب كانت تتجه إلى هذا الهدف . حتى اعتبرت مظاهر الطيش والتعدي انفلاتا من الإسلام ، وانطلاقا من القيود التي ربط بها الجماعة فلا تميد وتضطرب : « سباب المسلم فسوق وقتاله كفر » « 2 » . وقال عبد اللّه بن مسعود : « ما من مسلمين إلا وبينهما ستر من اللّه عز وجل ، فإذا قال أحدهما لصاحبه كلمة هجر خرق ستر اللّه » « 3 » . ووفد أعرابي على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يريد أن يتعلم الإسلام ، ولم تكن له معرفة سابقة بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولا بما يدعو إليه ، قال الأعرابي - واسمه جابر بن سليم - : رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه ، لا يقول شيئا إلا صدروا عنه ،

--> ( 1 ) مالك . ( 2 ) البخاري . ( 3 ) البيهقي .