محمد الغزالي

106

خلق المسلم

فعن عوف بن مالك قال : قضى رسول اللّه بين رجلين . فلما أدبرا قال المقضي عليه : حسبي اللّه ونعم الوكيل ! فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه يلوم على العجز ! ولكن عليك بالكيس « 1 » . فإذا غلبك أمر فقل : حسبي اللّه ونعم الوكيل » « 2 » . أي أن المرء مكلف بتعبئة قواه كلها لمغالبة مشاكله حتى تنزاح من طريقه ، فإن ذللها حتى استكانت له فقد أدّى واجبه . وإن غلب على أمره أمامها بعد استفراغ جهده كان ركونه إلى اللّه عندئذ معاذا يعتصم به من غوائل الانكسار ، فهو على الحالين قوي ، بعمله أولا وبتوكله آخرا . إن الإسلام يكره لك أن تكون مترددا في أمورك ، تحار في اختيار أصوبها وأسلمها ، وتكثر الهواجس في رأسك فتخلق أمامك جوا من الريبة والتوجس ، فلا تدري كيف تفعل . وتضعف قبضتك في الإمساك بما ينفعك . فيفلت منك ، ثم يذهب سدى . إن هذا الاضطراب لا يليق بالمسلم . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « المؤمن القوي خير وأحب إلى اللّه من المؤمن الضعيف . وفي كل خير . احرص على ما ينفعك واستعن باللّه ولا تعجز ، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ، ولكن قل : قدر اللّه ، وما شاء فعل ، فإن ( لو ) تفتح عمل الشيطان » « 3 » . وعمل الشيطان هو تشييع الماضي بالنحيب والإعوال ، هو ما يلقيه في النفس من أسى وقنوط على ما فات . إن الرجل لا يلتفت وراءه إلا بمقدار ما ينتفع به في حاضره ومستقبله ، أما الوقوف مع هزائم الأمس ، واستعادة أحزانها والتعثر في عقابيلها ، وتكرار لو ، وليت ، فذلك ليس من خلق المسلم بل لقد عده القرآن الكريم من مظاهر الحسرة التي تتلجلج في قلوب الكافرين : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ، وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ ، إِذا

--> ( 1 ) الكيس : العقل . ( 2 ) أبو داود . ( 3 ) مسلم .