محمد الغزالي

105

خلق المسلم

أجل ! يجب أن يكون المسلم شاعرا بقوة اليقين في شخصه ، وروعة الإيمان في نفسه . فإن لم يستطع فرض ذلك على ما حوله بقي كالطود الأشم ، لم تجرفه الغمار السائدة ، ولم تطوه اللجج الصاخبة . وما ذا عسى يفعل الناس لامرىء اعتز بإيمانه ، واستشعر القوة لصلته بربه ، واستقامته في دينه ؟ إنهم لو تألبوا عليه جميعا ما نالوا منه قليلا ولا كثيرا . عن ابن عباس قال : كنت رديف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « يا غلام ، احفظ اللّه يحفظك : احفظ اللّه تجده تجاهك ، تعرّف إلى اللّه في الرخاء يعرفك في الشدة ، وإذا سألت فاسأل اللّه ، وإذا استعنت فاستعن باللّه ، فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه اللّه لم يقدروا على ذلك . ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه اللّه عليك لم يقدروا على ذلك ، جفت الأقلام وطويت الصحف » . والحق أن فضيلة القوة ترتكز في نفس المسلم على عقيدة التوحيد ، كغيرها من الفضائل التي تجعله يرفض الهوان في الأرض ، لأنه رفيع القدر بانتسابه إلى السماء ، ولأنه يستطيع في نطاق إيمانه أن يكون أمة وحده . وفي فمه قول اللّه عز وجل : قُلْ : أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ ؟ قُلْ : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ « 1 » . * * * ومن فضائل القوة التي يوجبها الإسلام أن تكون وثيق العزم ، مجتمع النية على إدراك هدفك بالوسائل الصحيحة التي تقربك منه ، باذلا قصارى جهدك في بلوغ مأربك ، غير تارك للحظوظ أن تصنع لك شيئا ، أو للأقدار أن تدبر لك ما قصرت في تدبيره لنفسك ! ! فإن هناك أقواما يجعلون من اللجوء إلى اللّه ستارا يواري تفريطهم المعيب وتخاذلهم الذميم . وهذا التواء كرهه الإسلام .

--> ( 1 ) الأنعام : 14 .