السيد حسن القبانچي
71
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
( صلوات اللّه عليه وعلى آله ) وإن كان مسددا بالفيض الأقدس ومستغنيا بالإرادة الإلهية عن الاستعانة بأي أحد ، فقد صدرت منه المشاورة مع أصحابه لأجل أن يعرفهم خطأ الاستبداد بالرأي ، والتعريف بأن الرجل مهما بلغ الرتبة العالية في الإدراك ، قد يضل في الرأي ، فكانت الصحابة تبصر من أشعة أمره بالاستشارة فوائد مهمة ، إلا أن مشاورته مع أصحابه مقصورة على الأمور العادية وما يتعلق بمصالح الحرب ، وأما الأحكام الإلهية الشرعية فلا مجال للتشاور فيها « 1 » . ومنها الولاية لأمير المؤمنين عليه السّلام الثابتة بقوله تعالى : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا « 2 » وغيره ، لأنها لا تصدر إلا من حكيم عليم بالمصالح الباعثة عليها ، والمفاسد الموجبة للزجر بوحيها إلى من حباه بالسفارة الكبرى فيبلغها العباد ويرشدهم إلى الطريقة المثلى . والأذان بما أنه نداء للأمة ودعوة للانقياد إلى ( الحق ) عزّ شأنه وبه التأهب لما هو ( معراج المؤمن ) لا يعدوه الوحي الإلهي ، مضافا إلى وقوف الرسول الأطهر صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عليه ليلة الإسراء التي صلى فيها بالأنبياء والملائكة ، غير أن تدرج التشريع في الأحكام أرجأ الأمر به إلى ما بعد الهجرة كغيره من الفرض والمندوب والمكروه ، إن لم نقل به قبل الهجرة . كما يدل عليه قوله تعالى في حم السجدة 33 : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ . ففي السيرة الحلبية ج 2 ص 100 نقلا عن الدر المنثور ( للسيوطي ) ، إنها نزلت بمكة في شأن المؤذنين ، ووافقه ابن العربي في أحكام القرآن ج 2 ص 213 ، والآلوسي في روح المعاني ج 24 ص 122 ، والشيخ الطوسي في التبيان ج 2 ص 547 ، غاية الأمر ذهبوا إلى تأخر حكمه إلى ما بعد الهجرة . وقد أجمعت الإمامية على كون الأذان مما نزل به الوحي الإلهي كبقية الأحكام حتى عدوه من ضروريات مذهبهم ، وإليه تنبه الشهاب الخفاجي ، فقال : « الظاهر أن الأذان ثبت بحديث الإسراء ، ولم يبين زمانه ، ولم يمكن إعلامه قبل الهجرة ، فأخّر ذلك حتى يستقر ظهور الدين » « 3 » ويشهد له حديث أنس بن مالك قال : لما تذاكر الناس
--> ( 1 ) أحكام القرآن لابن العربي . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية 55 . ( 3 ) شرح الشفا ج 2 ص 307 ط سنة 1326 .