السيد حسن القبانچي
48
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
لطف العتاب لصاحبك لتقاعده عن قصدك إلى هذا الحين . كأن تقول له : إنني لا أغفر لك ترددك عن طلب حاجتك ، كما أنني أشكرك على أن خصصتني بها من دون أصحابك لحسن ظنك بي ، وثقتك بي بحسن مودتي ، واعلم أنني منذ اليوم رهين أمرك فيما تكلفني إياه من خدمة ، ولقد سامحتك في استتارك مني بستار الخجل والحياء عند الطلب في هذه المرة . إنك إن فعلت ذلك زدت في مقدار الصنيعة ، وأسست في قلب صاحبك ركنا من الشكر والحمد لا يهدمه النسيان ، ولا يودي به مرور الزمان . أهل المعروف : أهل المعروف حقا ، من يفعل الخير لمجرد حب الخير ، ولا تثنيهم كثرة أهل الكفران عن معاودة إسداء المعروف ، فالكريم لا يبالي : كفر الناس نعمته أم شكروها . ويكفيه أن يستمرىء حلاوة الصنيعة حين إسدائها . وهي اللذة التي يطرفه بها الإسداء . وقد قال الشاعر في ممدوحه : لو كفر العالمون نعمته * لما عدت نفسه سجاياها فهو يصنع الجميل ولو كان يعتقد أنه ليس في العالم قلب شكور ، ويؤثر أن يضيع إحسانه سدى على الانقباض عن إسداء الإحسان والامتناع عن فعل الخير . وليس إسداء المعروف من باب التجارة ولا من حساب الدخل والخرج ، وما له إلا باب واحد ، وهو باب الخروج والإنفاق ، فإن دخل فيه شيء من الشكران كان ذلك ربحا ، وإن لم يدخل فيه منه شيء فلا خسارة فيه ، فلا يجوز إذن لمحسن أن يقول يوما خسرت الجميل ، وقد استمرأ لذته عند الإسداء . ومن خلال أهل المعروف أنهم يسدلون دونه سترا من النسيان يبقى المعروف وراءه مستورا حتى تنكشف عنه يد الشكر من المسدى إليه ، لأنهم يعلمون أن المعروف رأس مال طرحه في يد الكنود خير من حبسه في يد المحسن ، لجواز أن يربو بالشكر في نفس الكنود يوما من الأيام على مرور الزمن ، ولا يبعد عليه أن يتعلم منه حسن المثال في إسداء الصنيعة . ولا يقتصر إسداء المعروف على بذل المال ، بل يتناول المال والجاه والسلطان والنصح والإرشاد وحسن المعاملة . وليس الإنسان وحده هو الذي يدرك معنى حسن المعاملة ، بل الحيوان الكاسر والأسد الضاري إذا عودته الحسنى ، انتهى به الأمر إلى الاستئناس والخضوع ، ولا شيء