السيد حسن القبانچي
49
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
أقتل للكفران في النفوس من المواظبة على دوام الإحسان ، فمن أسدى معروفا ولم يشكر عليه في المرة الأولى ، فلا يبعد أن يشكر عليه في المرة الثانية ، فإذا قاوم الكفران الإحسان مرتين فعليك أن تعززهما بثالثة تذكر المسدى إليه بالاثنتين . فساد المعروف : وفي الناس فريق يتبع معروفه بطول المن والتذكير به ، وهؤلاء هم أسوأ أهل المعروف والإحسان عملا ، وأقبحهم فعلا ، وأشدهم على الناس ألما وكربا ، وأولاهم بالكراهة والحقد عليهم بدل الشكر والامتنان ، وكفى بهذا الخلق السئ شناعة وفظاعة ما ورد فيه من الآيات المتعددة في الكتاب الكريم ، فمنها قوله عزّ وجل : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ « 1 » * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ « 2 » وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ « 3 » . ومن جوامع الكلم قولهم : « صنوان من منح سائله ومنّ ، ومن منع نائله وضنّ » . الأمور التي تذهب ببهاء المعروف : أهم هذه الأمور كثرة الوعود وطول التسويف . ومن الناس من يقصد ذلك ويتعمده للتباهي بتردد القصاد عليه وإقامة الوفود ببابه ، كأنما فعل الخير عنده سلطان لديه يتمتع بمظاهر أبهته وجلاله أمام حاشيته وأتباعه ، ولا حق لمثل هؤلاء في الشكر على الصنيعة ، بل هم الذين يلجئون الناس يهذه الأفعال إلى الكفران ، لأن كل ما يدخل في حساب الوعد والمطل يخرج من حساب الشكر والاعتراف بالمعروف ، وربما أدى طول الانتظار وكثرة الوعود إلى البغض والحقد في نفس صاحب الحاجة .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 262 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية 263 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية 264 .