السيد حسن القبانچي
14
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
وعده أول واجب إنساني بهم ، والرحمة والحنو عليهم ، والمساهمة الفعالة في تخفيف آلامهم ، ودفع ما ينزل بهم من ضرر وجور ، ومحاولة الترفيه عنهم بكل وسيلة . هذا ما فرضه الإسلام وجعله سبيلا إلى رضوان اللّه ومحبته . فاللّه يرحم من عباده الرحماء . فإذا تحجرت القلوب ، وغلظت الأكباد ، وتنكرت للقيام بهذا الواجب الإنساني ، كان ذلك إيذانا بأن هؤلاء القساة ليسوا أهلا لأن ينتظموا في سلك السعداء . يقول الرسول الأعظم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تنزع الرحمة إلا من شقي » ويقول : « ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم » . فالإسلام كثيرا ما ندب إلى العتق وفك رقبة العبد من الرقّ ، حيث يعرف مدى لذة الحرية في كل نفس ، ويعرف أن الحرية لدى الإنسان ( كل إنسان ) هي الشيء الوحيد الذي لا يعدله شيء . فهي أعز شيء على الإنسان ، وإذا كان هذا الشيء بهذه المنزلة ، فما ذا يجب أن يكون من الحق لمن سبب هذه الحرية ، وكان طريقا إليها . فحقه إذن عظيم أيسره الشكر والإخلاص والولاء له وعدم التنكر ، ومكاتفته في اللّه ، ومؤاخاته ومناصرته عند الشدائد والملمات . والإمام عليه السّلام هنا يلفت أنظارنا إلى قيمة الحرية ، وأنها هي الدنيا كلها ، في قوله : « وأباحك الدنيا كلها فملكك نفسك » ويتضح من هذا القبس المنير أن من لا يملك نفسه ليس يملك من الدنيا شيئا . وما الدنيا تجاه ملك النفس وحريتها إلا شيء ضئيل . الحرية ونعني بها كل التصرفات النابعة من شعور الإنسان بذاته وضرورة اعتراف الجماعة بشخصه ، وأهليته المطلقة للتصرف وفق ما يريد . وعلى أساس هذه الحرية يملك كل إنسان أن يقيم حيث يشاء ، وأن يسافر متى شاء ، وأن يجتمع بمن يريد الاجتماع بهم ، وأن يحوز من المال ما يكسب ، وأن يحترف من المهن ما يهوى ، وأن يباشر العقود التي يرى إبرامها ويفسخ التي يريد فسخها من بيع وشراء ، وشركة ووكالة ، وكفالة وإيجار . وذلك كله بداهة وفق قانون يمنع الضرر والعدوان ، حتى لا يشتط أحد في استخدام حريته فيؤذي الآخرين ، وينال من حرياتهم هم . . .