السيد حسن القبانچي

15

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

وهذه الحرية تبدأ من غريزة الشعور الايجابي بالذات - كما يعبر علماء النفس - ولذلك فهي أساس لضروب شتى من الحريات . بل إن المفهوم السائد للحرية بين الجماهير يكاد لا يعدوها . وضدها العبودية أو الاسترقاق الذي يفقد الإنسان فيه أهليته ، ولا يملك زمام نفسه . واللّه عزّ وجل خلق الإنسان كامل المسؤولية ، وشرع له التكاليف الدينية ، ورتب عليها المثوبة والعقوبة ، على أساس إرادته الحرة وامتلاكه المطلق للاتجاه ذات اليمين أو ذات الشمال . لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ « 1 » وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى « 2 » . وخطاب اللّه للمكلفين ما يصح أن يتوجه إليهم لولا هذه الحرية المقررة للإنسان ، والتي هي نواة شخصيته المعنوية . ثم إن الأصل في الأشياء الإباحة ، ودائرة الحلال التي يمرح فيها الإنسان رحبة الأكناف . هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ « 3 » . وعندما تنظر إلى المحرمات التي حذر الشارع من مواقعتها ، تجد طائفة محصورة من الأعمال الرديئة هي في حقيقتها ليست قيدا على الحرية قدر ما هي سياج لحريات الآخرين ، أو إرشاد للإنسان حتى لا يستعمل حريته في إيذاء نفسه فموقف الشارع من الناس أنه : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ « 4 » هل لأحد بعد ذلك أن يقيد حرية الآخرين أو يسلبهم إرادتهم ؟

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 286 . ( 2 ) سورة النجم ، الآيات 39 - 41 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية 29 . ( 4 ) سورة الأعراف ، الآية 157 .