السيد حسن القبانچي

80

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

تعلم ، ومن أجل أن الحنجرة لا تستطيع توليد الحروف كلها ، بل يقتصر عملها على توليد الحروف الصوتية ( المعروفة بحروف العلة ) دون الحروف الأخرى ( المعروفة بحروف الصحة ) التي لا بد لتوليدها من تقطيع مجرى الهواء الذي يحمل الصوت من الحنجرة ، فقد شاءت المصادفة أن يخلق هذا اللسان مع الشفتين ليكون وسيلة لتقطيع الهواء وإخراج حروف الصحة ، ولولا ذلك ما كان لنا كلام فصيح ، بل كنا نكون كالحيوانات نطلق أصواتا نمدها مدا ، فلا نحسن إلا عواء ونعيقا ، أو صفيرا ونقيقا ، أو صهيلا ونهيقا . فما أعجبها هذه المصادفات التي كثرت وتوالت وتلاقت ، وتلاءمت وتوافقت حتى كونت لنا هذا اللسان العجيب . حقا إن اللسان عضو عجيب ، ولكن ما ذا في الشفتين سوى أنهما تساعدان على لفظ بعض الحروف . أكان يرضيك أن تخلق بلا شفتين مكشرا فاغرا ، يسيل لعابك ويدخل الغبار إلى صدرك ، والذباب إلى لهاتك . . . ؟ ألا تشكر المصادفة التي خلقت هذا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ فجعلت له من الشفتين زينة لوجهه ، وسترا لفمه ، وحاجزا للعابه ، ومانعا من دخول الغبار إلى رئاته ، والذباب إلى لهاته ، ليتنفس من حيث ينفع التنفس بأنفه وخيشومه ، ويصدّ المؤذيات عن حلقه وبلعومه . . . ؟ . ألا تشكر المصادفة التي سلمت هاتين الشفتين بقوة مرهفة من الإحساس ليصدّا كل مؤذ وكاو ومحرق ، وزودتهما تحت غشائهما المخاطي بغدد تفرز اللعاب لتظلا رطبتين مرطبتين ، وربطتهما بأعصاب تجعل كل حركة لهما ، ( من فتح وإغلاق ، ومطّ وزم ) بإرادة الإنسان واختياره ليفتحهما ساعة يشاء ويغلقهما ساعة يريد ، فيقطع بهما الهواء ويحبس الصوت ليتمكن من لفظ الحروف الشفوية ، فلو لا كل هذه المصادفات لانقلب هذا الإنسان المليح الفصيح الظريف النظيف ، مسخا قبيحا مكشرا فاغرا عييّا قذرا ، يسيل لعابه على ذقنه وثيابه ، ويزدحم الذباب على رضابه . ولعلك تقول : فما ذكر المصادفة وتكررها في المقام ؟ فنقول : إن تكرار ذكر المصادفة في المقام هو إرادة اقتحام العقبة لأبلغ بنفسي الذروة ، عقبة الشك التي يريد اللّه منا أن نكابد لنقتحمها ، وذروة الإيمان التي يريد سبحانه منا أن نكابد لنصل إليها . ذروة الإيمان التي يريد أن نبلغها ، هي التواصي بالحق . أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 )