السيد حسن القبانچي
42
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
والدلائل النيرة من خلق السماء والأرض ، الشاهدة بوحدانيته فاخضعوا له ولا تتخذوا له شركاء في العبادة . * * * ولكن هل العبادة مقتصر معناها على الخضوع للّه وحده ؟ كلا ، فقد ذكر القرآن أن لها مستلزمات أخرى بجانب معنى الخضوع للّه وهي : الشكر للّه ، التوكل على اللّه ، الإخلاص للّه ، دعاء اللّه . وقد بيّن القرآن أن هذه الفروض التي يجب أن يقوم بها الإنسان هي من العبادة التي خلق اللّه الناس لأجلها . وإليك عرض وتحليل كل قسم منها على ضوء ما جاء في القرآن من الدعوة إليها . الشكر للّه عرّف العلماء الشكر بأنه ظهور أثر نعمة اللّه على لسان عبده ، ثناء واعترافا ، وعلى قلبه شهودا ومحبة ، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة ، فالشاكر من يكون لسانه مشتغلا بالثناء على ربه ، معترفا له بنعمته . ويكون قلبه مملوءا محبة للّه على هذه النعم ، وشهودا بأنها منه فضل وإحسان ، وتكون جوارحه مشتغلة بطاعة اللّه استسلاما له وانقيادا . لهذا كان الشكر من مظاهر العبادة التي دعا إليها القرآن ، لأنه يجعل العبد ذاكرا ربه عابدا متعلقا بخالقه ، قال اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ « 1 » . وكلمة الشكر من الكلم الجوامع التي تنتظم كل خير وتشمل كل ما يصلح به قلب الإنسان ولسانه وجوارحه . فالذي لا يحب اللّه ولا يشهد قلبه بأن ما فيه من النعم إنما هو من اللّه فضلا وإحسانا ليس بشاكر ، والذي لا يثني على ربه ولا يحمده بلسانه ويخوض في الباطل ويشتغل لسانه بلغو القول ولهو الحديث ليس بشاكر . والذي يعطيه اللّه من العلم شيئا ولا يعمل به ولا يعلمه الناس ليس بشاكر . والذي يعطيه من المال ما يستعين به على طاعته بصرفه في وجوه الخير والبر ويبخل به أو يصرفه في معاصي اللّه ليس بشاكر .
--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآية 172 .