السيد حسن الحسيني الشيرازي

58

موسوعة الكلمة

يقول القرآن الكريم : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ « 1 » وحياة نوح وسعت ثلاث مراحل ، المرحلة الأولى ، تبدأ بميلاده وتنتهي ببعثته رسولا إلى قومه . المرحلة الثانية ، تبدأ ببعثته رسولا إلى قومه وتنتهي بالطوفان . المرحلة الثالثة ، تبدأ بالطوفان وتنتهي بوفاته . وفي بعض الحديث أن مجموع حياته بلغت ألفين وخمسمائة سنة « 2 » .

--> ( 1 ) سورة العنكبوت : الآية 14 . ( 2 ) وهنا يحاول البعض التخلص من دلالات القرآن والتاريخ على أن الإنسان قد يعيش طويلا ، فيقول : ( إن العرب في الجاهلية لم يكونوا يعرفون السنين والحساب ، ولم يكونوا يفهمون من الظواهر الكونية سوى القمر ، فكانوا يحسبون به الأيام ، فكان الشهر عندهم سنة ، فإذا قالوا خمسين سنة - مثلا - عنوا خمسين شهرا ) . ويمكن الإجابة على هذا القول : أولا : إن العرب في الجاهلية لم يكونوا بهذا المستوى . ثانيا : إن التعبير بالسنة لم يكن مختصا بالعرب ، فكل الناس كانوا يضبطون أعمارهم وأعمالهم بالسنة كما كانوا يضبطونها بالشهر وبالأسبوع وباليوم وبالساعة . ثالثا : إن صح هذا القول فعلينا أن نعدل جميع التواريخ ، فكلما وردت كلمة ( سنة ) نبدلها بكلمة ( شهر ) . رابعا : علينا بعد ذلك أن نخطّئ كل التواريخ ، لأنها تقول - مثلا - : فلان عاش سبعين سنة ، وتزوج ( كذا ) من النساء ورزق ( كذا ) ولدا ، وفتح ( كذا ) بلدا ، مما لا يمكن أن يقوم به طفل كل عمره أقل من ست سنوات . خامسا : إن النصوص الإسلامية التي تحدد أعمار نوح وخضر وإلياس و . . . نصوص لم تصدر في الجاهلية ، وإنما صدرت في الإسلام . سادسا : إن القرآن بنفسه يتولى تحديد مفهوم السنة في كل الشرائع ، فيركز على أن السنة تعني اثني عشر شهرا في كل الديانات ، لأن اللّه قررها هكذا منذ الأزل ، فيقول : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [ سورة التوبة : الآية 36 ] . ولا يمكن أن يعلن القرآن هذا القرار بمثل هذا الزخم ، ثم يخرج القرآن ذاته على هذا القرار فيستخدم المفهوم الجاهلي للسنة .