السيد حسن الحسيني الشيرازي

24

موسوعة الكلمة

وأنهم جميعا فاجأوا مجتمعاتهم بأساليب ووسائل لم تكن في الحسبان ، وسواء أسميناها معجزات أو أسميناها كفاءات « 1 » ، فجوهر القضية واحد ، وهو أنهم تفوقوا على كل القدرات الحاكمة في عهودهم . فلتتقدم المجتمعات ولتتطور ، ولتحشد ما استطاعت تحشيده من طاقات وأساليب ، فإن اللّه سيزود رسله وأوصياءهم بما هو أقوى وأعلى ، وسيجعل كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا « 2 » كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ « 3 » « 4 » .

--> ( 1 ) إنما ذكرنا لفظ الكفاءات أيضا تمشيا مع من يفرون من الألفاظ لنستوقفهم كي يتذكروا ويتدبروا وإلا فالمعجزة كفاءة خاصة جعلها اللّه تعالى في أفراد معينين من البشر . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 9 . ( 3 ) سورة المجادلة : الآية 21 . ( 4 ) يبقى في مجال التحليل الروحي البحت ، بحث لم أعرف من سبق إليه ، ولعلي أول من يطرحه ، ولا أطرحه لاتخاذ موقف معين ، وإنما ليكون إشارة الضوء على هذا الطريق الذي قد يعود بحصائل ترفد كثيرا من الغوامض ، وتساهم في الإجابة على العديد من المعضلات الروحية . وتمهيدا لهذا البحث الذي سوف أطرحه في صيغة سؤال نقول : يمكن أن نسمي مجتمع إبراهيم الخليل ب ( مجتمع الإيمان والتسليم ) فالناس كانوا - بعد الطوفان مؤمنين ومسالمين ، ولكنهم أخطأوا في توجيه الإيمان إلى الأصنام ونمرود ، ونمرود ذاته وجد أن الإيمان هو الطابع العام فاستغله لمصلحته الشخصية وصنع الجنة والنار ، وحمورابي وجد أن التسليم ظاهرة عامة فاستغله لوضع قانونه ، وإبراهيم الخليل في حد ذاته كان إيمانيا ، والجانب الإيماني أبرز ظاهرة طبعت حياته ، فشيد الكعبة ، وكرس المجتمع في اتجاه العبادة ، وشرع الحج . ويمكن أن نسمي مجتمع موسى بن عمران ب ( مجتمع السحر والعسكر ) فاتجه الناس إلى استلهام القوى المنظورة والخفية ، فعبدوا رمز القوة ، فرعون ، وخنعوا لجنوده ، وقدسوا سحرته ، فكانوا مع القوة ولكنهم أخطأوا في تحديد القوة التي يصح اتّباعها ، وموسى ابن عمران عليه السّلام كان رمز القوة في أعلى درجاتها ، فهو رسول اللّه الذي خلق السماوات والأرض ، وقد انتزع فرعون من عرشه وغلوائه ، وأطبق البحر عليه وعلى جنوده ، وأتى بتسع آيات بينات أذهلت جميع المتعاملين مع القوى الخفية حتى قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ . سورة الأعراف : الآيتان 121 - 122 . ويمكن أن نسمي مجتمع عيسى ابن مريم ب ( مجتمع الطب والمغيبات ) فاتجه الناس إلى -