السيد حسن الحسيني الشيرازي
25
موسوعة الكلمة
--> الأطباء والمخبرين عن المغيبات ، حتى منحوهم السيادة والقيادة ، واتبعوهم في كل ما يقولون وما يتنبأون . وتكريم الأطباء مقبول ، فالطب علم إنساني مستحب ، واحترام المخبرين عن المغيبات معقول - إذا كان معتمدا على أسس مشروعة - ولكن المغالاة في حقهم حتى اتّباعهم في الإلحاد ، وتقديم كلمتهم على كلمة الأنبياء مرفوض ، وعيسى ابن مريم عليه السّلام تجلت معجزاته في تحديات فسيولوجية ، جسدية ، يمكن تنظيرها بالطب من صياغة طين بهيئة الوطواط والنفخ فيه لينطلق طيرا في الهواء ، وشفاء المصابين بالأمراض المستعصية بمسحة يد ، وإحياء الأموات - الذين ابيضت عظامهم في ظلام اللحود - بكلمة ، وفي الإخبار عن المغيبات حتى ما يكتنزه الناس في بيوتهم . ويمكن أن نسمي مجتمع الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ب ( مجتمع البلاغة والسيف ) فاتجه الناس إلى عبادة البلاغة والسيف ، فلم يكن يستحوذ على مشاعرهم إلا رجل البلاغة ، ولم يكن يهيمن على حياتهم إلا رجل السيف ، والبلاغة في التعبير فضيلة ، والسيف لفتح الطريق أمام الحق لا بد منه ، والانحراف في ذلك أن يكون رجل البلاغة أو السيف حاكما غير مسؤول . والرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بلغ في البلاغة درجة التحدي العام المطلق وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ سورة البقرة : الآية 23 - 24 . وبلغ في مقدرته على حمل السيف ، أن أعاد الجزيرة إلى صوابها دون أن يقتل سبعمائة رجل ، وكانت قبله دولاب دم ، ومفرمة بشرية . وإذا استعرضنا مجتمعات الأنبياء نجد التجانس بينها وبينهم ، بفارق واحد ، وهو أنها كانت على باطل ، وأنهم كانوا على حق . إذن فالتجانس بين الأنبياء ومجتمعاتهم موجود وواضح : والسؤال هو : هل المجتمعات هي الأصل ، والأنبياء كانوا امتداداتها ؟ أو أن الأنبياء هم الأصل والمجتمعات كانت امتداداتهم ؟ مع العلم أن ما يؤيده الاختبار الخارجي والقرآن الكريم والسنة المطهرة هو الثاني دون الأول . وبتعبير أوضح : هل المجتمع هو الذي يتقلب في أطواره المختلفة ، فتقوده محركاته الذاتية في كل بضعة قرون إلى طور معين ، نتيجة لتفاعلاته الداخلية المعقدة ، كما يغير النهر مجراه بعوامله الخاصة ، وكما تغير الأرض مظاهرها الجغرافية وفق معادلاتها الباطنية ، فتجعل من قاعات بحار قمم جبال ، وتجعل قمم جبال قاعات بحار . أو أن الأنبياء - وأصحاب الولاية منهم بصورة خاصة - طاقات كونية كبيرة ، فهم المحركات الأساسية للمجتمعات ، فحينما يتجه أي واحد منهم إلى الوجود البشري ، تسبقه موجاته وخصائصه إلى المسرح البشري - وهذه ما تسمى في لغة العصر الحديث -