السيد حسن الحسيني الشيرازي
16
موسوعة الكلمة
النظر عن هوية الطريقة ، فلا يبقى على الحق ، ولا يدوم على الباطل ، ولا يواصل الخير ، ولا يستمر على الشر ، ويكره الديمومة على شيء ، مهما كانت حقيقة ذلك الشيء ، وإنما يفضل التأرجح بين الأضداد ، فالشجرة تدأب في منهجها ابتداء من انطلاقها من النواة حتى نهايتها بلا تمزق بين المناهج ، والجبل يواصل برنامجه منذ نشوئه حتى انتهاء عمره الطبيعي بلا تبعثر بين البرامج ، والنجمة تنفّذ خطّتها من ميلادها حتى وفاتها بدون أدنى انزلاق ، والنحلة تؤدي كل واجباتها حتى تسقط ضحية في مسيرة الواجب بلا تردد ، ولكنه الإنسان ، الذي لا يستطيع توضيب حياته في خط . . . فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . ولعل غريزة التأرجح بين الأضداد - أو غريزة التطور - وكّلت بالإنسان لتقليبه في المعادلات المختلفة ، حتى تكشف كل مخابئه ، وتنمي كل ما في أعماقه من نوايا وركائز ، فتحقق بذلك هدفا من أهداف الحياة . وهو تجربة الإنسان وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً ( 16 ) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ « 1 » . فاستجابة لهذه الغريزة نجد الإنسان دائم الاندفاع بين أقطاب الإغراء الكثيرة المتنوعة ، فهو يحب الشيء ويتدفق نحوه بلهفة حتى إذا تشبع منه أعرض عنه واتجه نحو ضده بشدة . - مثلا : إنه يحب السفر ، فيواصله حتى يجوب الأقطار التي كان يفكر فيها ، ثم يخلد إلى مدينته فلا يخرج منها مدى سنوات ، ثم يبدأ من جديد رحلات واسعة . - مثلا : قد ترى إنسانا محافظا لا تذكر له هفوات ، ثم تجده ينفلت بعشوائية ، وبعد حين يعاود سيرته الأولى .
--> ( 1 ) سورة الجن : الآيتان 16 - 17 .