السيد حسن الحسيني الشيرازي

19

موسوعة الكلمة

كلّ شيء دنا ، فتجلّى لخلقه من غير أن يكون يرى ، وهو بالمنظر الأعلى . . . ) . والخطابة موهبة وزّعها الله على خلقه كما يشاء ، فتربّع على القمّة منها كثيرون ، منهم ساسة ، ومنهم أدباء ، ومنهم مفكرون ، غير أن أحدا لم يبلغ ما بلغه النبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلّم فقد نشأ في المحيط البدوي الساذج ، الذي تسلم فيه الفطرة من شوائب الكلفة والزور ، حتى لا يسمها سوى طابع الصراحة والصدق ، وعايش أقواما عاشوا وماتوا للأدب ، وتركوا في ذاكرة الدهر روائع لا يمكن أن تسفيها الليالي والأيّام ، وميّزه الله بالطبع الزاخر ، والذوق الرفيع ، والبلاغة الأسرة ، ومنحه علما واسعا لا يقاس ، وحجّة دامغة لا تقارع ، وقدرة نادرة على الارتجال ، أضف إلى ذلك صدق قلبه ولسانه ، وطهارة ضميره ، وعمق إيمانه ، ونبل هدفه ، ثمّ تجاربه الكثيرة التي هي ضرورة للخطيب الناجح ، كلّ هذه منضمّة إلى عبقريته الشخصيّة ، التي أوجزت كلّ ما في سلالته من جرأة وقوّة ، فتجمّعت فيه أسباب التفوّق الطبيعيّة ، وأمدّه ما وراء الطبيعة بما لا أعلى ولا أكمل ، حتى إن الوحي كان يعصمه عن أن ينطق بالهوى ، فكان النطق السهل ، والبيان الرفيع ، من عناصر شخصية ، التي ميزّته عن سواه . وهذه مؤهلات نادرة ، إن تفرّق بعضها في الخطباء الذين كانوا - بحقّ عالميّين ، فإنّها لم تجتمع في أحد غيره . فإذا تفرع المنبر ، كان مطمئنّ القلب ، واثقا من عدالة قوله وهدفه ، وكانت قوّة فراسته تكشف له أهواء النفوس ، وأعماق القلوب ، حتى إذا انطلق لسانه بما يجيش به صدره ، حرّك في مستمعيه نوازع الفضيلة ، التي تتفرغ لتحقيق إرادته .