السيد حسن الحسيني الشيرازي
24
موسوعة الكلمة
هذه النداءات ، التي تعبّر عن تركيز اهتمامه على الطبقة العاقلة المفكّرة - أكثر من سائر الطبقات - لأنه يجد في هذه الطبقة أقرباءه الذين يستطيع أن يحمّلهم توجيهه أسرع من غيرهم ، ويستطيعون أن يمتدّوا بمشاعله أجرأ من غيرهم . وهذه الظاهرة إن دلّت على شيء ، فإنما تدلّ على أصالته المطمئنة ، لأنه لو كان يعرف فيه نقطة ضعف أو لطخة سوداء ، لكان يحاول تهريبها من الأفكار ، بالارتماء في أحضان الطبقات غير العاقلة وغير المفكّرة كما فعل بعض رواسب الأديان ، أو بالالتجاء إلى تحريم العلم واضطهاد العقلاء كما فعل الكثير من المبادئ . وأرى لزاما عليّ - قبل الانتهاء من الحديث عن هذا الكتاب - أن أشير إلى أنّ الكثيرين من القراء ، عندما يقرأون كتابا - أيّ كتاب - يحبّون أن يكون صورة مغرقة ومشجّعة لهم ، كما هم ، وبكلّ ما هم عليه ، من أفكار وعواطف ، ومن خير وشرّ . وعندما يقرأون كتابا دينيا يرغبون في أن يجدوه تبريرا لهم ، ليشهروا منه سلاحا ماضيا على ضمائرهم ومجتمعاتهم ، التي تؤنّبهم على كلّ انحراف . ومن هنا نجد اتجاه كلّ أصحاب فكرة أو مصلحة ، إلى الكتب التي تؤيدها وتبرّرها ، دون الكتب التي تنتقدها وتشجبها ، ونرى الذين يحلو لهم أن يكونوا ملتزمين ، يأخذون منه كلمة توحي بما هم عليه ، ويعتبرونها دليلا على عظمة ذلك الدين ، ويهملون الكلمات التي توحي بما ليسوا عليه ، وكأنّ كلّ فرد منهم خلق ليكون كما هو ، لا كما ينبغي ، أو كأنّ لكلّ فرد منهم مكان القيادة في الوجود ، فله أن يصدر إراداته على كلّ شيء ، وأن يصدر أحكامه على كلّ أحد ، بينما يكون على كلّ شيء أن يكون وفق مشيئته ، ويكون على