محمد عبد الله دراز
88
دستور الأخلاق في القرآن
بنفسه تحديد كلّ شيء وتقنينه ؛ فإذا افترضنا أنّ هذا المشروع يمكن أن يتحقق ، فكيف نفسر اقتضاء من هذا القبيل بالغا أقصى مداه ، إلا بأنّه تلمس لأدنى جهد عقلي ، وأخلاقي . . ؟ . . إن لم نقل ، إنّه تنازل محض ، وبسيط عن الشّخصية ! ! إنّ القرآن لا ينقض ذلك الاتجاه إلى حصر كلّ القواعد ، كما لا ينقض الاتجاه المضاد ، فهل كان هذا التّصرف الحكيم ، وذاك الموقف الوسط الّذي يقف فيه الفرد دائما بمعزل عن طرفي نقيض - مجرد اتفاق ؟ أو تحكما ، واعتسافا ؟ أو أنّ له غاية معينة ؟ . إننا لكي نقتنع بأنّ القرآن في إيجازه ، وفي تفصيله ، يهدف إلى تلك الحكمة التّشريعية المنزهة - حسبنا أن نتذكر الواقعة التّالية : « فعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : « خطبنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا أيّها النّاس ، إنّ اللّه قد فرض عليكم الحجّ ، فحجّوا ، فقال رجل : أكلّ عام يا رسول اللّه ؟ . فسكت حتّى قالها ثلاثا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لو قلت : نعم ، لو جبت ، ولما استطعتم ؛ ثمّ قال : ذروني ما تركتكم « 1 » ، فإنّما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فاتوا منه ما استطعتم ، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه » « 2 » وفي رواية أخرى أكثر تصريحا ، رواها ابن جرير موقوفة
--> ( 1 ) يريد أن يقول : لا تستثيروا الوحي ، ولا تفتشوا عن شرائع لتضعوها حين لا تجدوها . ( 2 ) انظر ، صحيح مسلم : 2 / 975 ح 1337 ، تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي : 7 / 16 ، تفسير القرطبي : 4 / 143 ، تفسير ابن كثير : 1 / 386 ، مجمع الفائدة والبرهان : 2 / 265 ، سنن البيهقي الكبرى : 4 / 325 ح 8398 ، مسند أحمد : 2 / 508 ح 1065 ، جامع العلوم والحكم : 1 / 89 ، البيان والتّعريف : 2 / 53 ، المستند المستخرج على صحيح مسلم : 4 / 11 ح 3108 ، وورد بمعناه في ابن حبّان - ذكره السّيوطي في الدّر المنثور : 2 / 335 .