محمد عبد الله دراز
89
دستور الأخلاق في القرآن
عن أبي ثعلبة الخشني ، ورويت مرفوعة إلى النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إنّ اللّه تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحدّ حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم ، غير نسيان ، فلا تبحثوا عنها » « 1 » . ويذكر ابن حبّان أنّ ظروفا كهذه الظّروف كانت مناسبة لنزول قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ « 2 » . هذا الاستبعاد للمبالغة ، والإفراط في ( كيف ؟ وكم ؟ ) من القواعد القرآنية - إجراء أتّخذ صراحة ، كيما يتسنى لكلّ فرد أن يمارس طاقته العقلية ، والجسمية والخلقية ، بطريقة تختلف عن غيره . فهذا هو ما يتصل بالأخلاق العملية ، والسّمات العامة الّتي تحددها ؛ فلنمض إلى الأخلاق النّظرية : الجانب النّظري : وهنا يفارق منهجنا أيضا المنهج العام ؛ ذلك أنّ ما يهمّ غالبية علمائنا في المقام الأوّل هو الجانب الاقتصادي ، أو الشّرعي ، ونحن بادئ ذي بدء ، نركز اهتمامنا على المجال الأخلاقي ؛ واضعين كلّ مسألة في المصطلحات الّتي تصاغ بها لدى الأخلاقيين المحدثين . ونحن من ناحية أخرى نتخذ من القرآن ذاته نقطة انطلاق ، بحيث كان دأبنا
--> ( 1 ) انظر ، سنن الدّارقطني : 4 / 184 ، وللمؤلف هنا طرق أخرى « المعرب » ، علل الدارقطني : 6 / 324 ح 1170 ، الكامل في ضعفاء الرّجال : 1 / 404 ، تفسير ابن كثير : 1 / 278 ، المستدرك على الصّحيحين : 4 / 129 ح 7114 ، تفسير القرطبي : 6 / 334 ، سنن البيهقي الكبرى : 10 / 12 ، فتح الباري : 13 / 266 ، نيل الأوطار : 8 / 273 . ( 2 ) المائدة - 101 - 102 .