محمد عبد الله دراز
85
دستور الأخلاق في القرآن
لكي نصف أخلاق القرآن - أن نقول : إنّها حفظت تراث الأسلاف ودعمته ، وإنّها وفقت بين الآراء المختلفة الّتي فرقت أخلافهم ، بل ينبغي أن نضيف : أنّ الأخلاق القرآنية قد رفعت ذلكم البناء المقدس ، وجمّلته ، حين ضمت إليه فصولا كاملة الجدّة ، رائعة التّقدم ، ختمت إلى الأبد العمل الأخلاقي « 1 » . ولسوف يكون علينا في هذه الدّراسة أن نعالج الأحكام العملية الّتي جاء بها القرآن في ذاتها ، وفي مرحلتها النّهائية من تطورها ، وحسب القارئ بعد ذلك أن يتصفح النّصوص الّتي نوردها في نهاية هذا الكتاب ، ليدرك رحابة هذا النّظام وجماله . ولسوف يختلف منهجنا كثيرا في عرض هذا الجانب عن المنهج الّذي أتبعه سابقونا . فلما كنّا - أوّلا - لا نرى من اللازم أن نستوعب النّصوص ، والآيات ذات الاتصال بالموضوع ، فقد اكتفينا بأن سقنا بعضا منها ؛ ذا دلالة كافية على القواعد المختلفة للسلوك ، ثم حاولنا من بعد ذلك أن نتجنب التّكرار بقدر الإمكان . واتبعنا أخيرا نظاما منطقيا بدلا من التزام نظام السّور ( الّذي تبعه الإمام الغزالي ) ؛ أو النّظام الأبجدي للمفاهيم ( كما فعل جول لابوم ) . فالنصوص في عملنا هذا مجمعة في فصول ، بحسب نوع العلاقة الّتي سيقت القاعدة لتنظيمها ، وقد ميّزت في داخل كلّ طائفة عدة مجموعات صغيرة من النّصوص ، وضعنا لها عنوانا فرعيا يوجز التّعليم الخاص الّذي يستقي منها ، بحيث يتاح للقارئ أن
--> ( 1 ) انظر ، كتابنا « المدخل إلى القرآن [ Initiation du Coran ] القسم الثّاني - الفصل الثّاني ، وسوف تجد هنالك أمثلة عديدة مادية ، تشهد بوجود هذه الجوانب الثّلاثة فيما أضافه القرآن : إجمال لما سبق ، وتوفيق بين وجهات مختلفة فيه ، وإكمال لجوانب ناقصة .