محمد عبد الله دراز

86

دستور الأخلاق في القرآن

يجد الحكم الّذي يبحث عنه بكلّ سهولة . وتنظيم النّصوص بمجموعها على هذا الوجه يبني لنا منهجا كاملا للحياة العملية كما رسمها القرآن : كيف ينبغي على الإنسان أن يسلك مع نفسه ، وفي أسرته ، ومع النّاس أجمعين ؟ . . . وما المبادئ الّتي يجب أن تحكم العلاقات بين الحاكمين ، والمحكومين ، وبين الدّول أو المجتمعات ؟ . . . وكيف يؤدي الإنسان العبادة للّه ؟ . . . وكلّ ذلك قد قيل بطريقة واضحة ومحددة . هذا الطّابع الإجمالي يجد ما يكمله في طابع آخر ، يمنحه قيمته العليا ، ذلك أنّ القرآن - بعد أن رسم لكلّ مجال من مجالات الحياة خط سلوكه - يقدم لنا أطرا معدة على هيئة دوائر مشتركة المركز ، كلّ واحدة منها قابلة لأن تتسع ، وتنكمش ، في توافق مع المجموع . بل لقد تتداخل هذه الدّوائر بالتبادل ، دون أن تطغى إحداها على الأخرى . كيف استطاع القرآن أن يحدث هذا الأثر المعجز ؟ . لقد كان منهجه غاية في البساطة ، حين تخير لبيان قواعده أقوالا ذات تأثير خاص ، وهي أقوال تقف دائما في منتصف الطّريق ، بين المجرّد : غامضه ، ومبهمه ، وبين الحسّي المفرط في الشّكلية . وكذلك نجد أنّ الأطر الّتي يبنيها صارمة ، ومرنة في آن . فمن حيث وضوح المضمون نجد أنّ وضوح كلّ قاعدة يوجد نوعا من الحجاز ، يقف في مواجهة الفوضى ، وجموح الهوى ؛ ولكنها من حيث عدم تحديد هذا المضمون تترك لكلّ فرد حرية اختيار الشّكل الّذي يكيف في نطاقه مثله الأعلى ؛ طبقا للشروط الّتي تمليها التّجربة ، كما يختار الشّكل الّذي يوائم به