محمد عبد الله دراز
42
دستور الأخلاق في القرآن
على تنفيذ القرار الّذي تصدره إرادته الذاتية . وحتّى لو كانت هناك قوة تتدخل في سلوكه ، فإنّ قبوله لها يعني موافقة الإرادة عليها . وهكذا يصبح الإنسان مسؤولا بمجرد سلوكه ، وذلك مثلما يصبح دائنا بتوقيعه لصك الدّين . ويترتب على الإلزام ، والمسؤولية بالضرورة مبدأ « الجزاء » ، وهو موضوع الفصل الثّالث . فالقانون الأخلاقي الّذي يلزمنا ، ويضعنا أمام مسؤوليتنا يجب أن ينطوي ، في الوقت نفسه ، على نظام لتقدير مواقفنا . وإذا كان بعض الحكماء قد أنكروا وجود « جزاء أخلاقي » بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة ، فإنّ وجود هذا الجزاء بالفعل يدحض هذا الرّأي . ويزودنا القرآن الكريم بنوعين من هذا الجزاء : فهناك أوّلا الجزاء ذو الطّابع « الإصلاحي » ، ومعناه أنّ الإنسان الّذي يسلك سلوكا سيئا يتحتم عليه إصلاح ما ترتب على هذا السّلوك من فساد ، أو إهدار لحقوق الآخرين . وإهمال الواجب يقابله القانون بفرض واجب آخر ، هو واجب « التّعويض » . ثم كيف لا نثير الشّعور بتأنيب الضّمير ، وهو شعور داخلي يفتح أمامنا طريق الإصلاح ، وييسر لنا إصلاح أنفسنا ، وإصلاح أخطائنا ؟ غير أنّ هذا الشّعور لا يكفي وحده لإعادة النّظام ، بل لا بد أن يدعمه موقف جديد من مواقف الإرادة ، موقف يفترض بذل الجهد . هذا الموقف هو بالتحديد موقف « التّوبة » ، وهو في طبيعته المركبة يشمل الماضي ، والحاضر ، والمستقبل : إذ تقتضي التّوبة إيقاف السّلوك السّيئ ، والعزم على عدم العودة إليه ، والاستمساك من جديد بالواجب المهمل ، وإصلاح الأخطاء المقترفة ، واتخاذ طريق جديد للسلوك . هذا التّحول الأخلاقي في مجموعه تفرضه علينا الأخلاق كوسيلة إصلاحية . وبالإضافة إلى ذلك ، نجد في القرآن نوعا آخر من الجزاء ذي الطّابع « الاستحقاقي » . وهو رد فعل للقانون الأخلاقي يمارسه مباشرة ، وتلقائيا ، ولا يسع الإنسان إلا أنّ يتحمله رضي أم لم يرض . فبحسب موقفنا « الخاضع » أو « المتمرد » بالنسبة لما يمليه