محمد عبد الله دراز
43
دستور الأخلاق في القرآن
علينا الواجب ، نجد أنّ ملكاتنا العليا تتأثر سموا ، أو انحطاطا . ولا يعني ذلك فحسب أنّ ممارسة الخير تصفي القلب ، وتشحذ الإرادة وتقوي العزيمة ، بل إنّ صداها ينعكس أيضا على الملكة الذهنية نفسها . وعلى العكس من ذلك نجد أنّ فوضى الانقياد للنزوات تعتم الضّمير ، وتحوّل العقل عن تصور الحقيقة . ومجمل القول ، إنّ الجزاء الأخلاقي الاستحقاقي ينتهي إلى نوع من « التّقدير للذات » ، ويؤدي إما إلى ارتفاع في القيمة الإنسانية ، وإما إلى هبوط بها . وإذا كان الإنسان يتصرف بحرية فمعنى ذلك أنّ عمله انبعاث لكيانه الكامل « جسما » و « روحا » . ولا يخفي ما بين هذين العنصرين من صلة وثيقة ، وتفاعل متبادل ؛ ولذا كان من العدل أن يلقى الإنسان جزاءه ، أو عقابه في حسه ، وروحه . ونحن نرى أنّ قانون الطّبيعة نفسه يوزع الجزاء على الفضيلة ، أو الرّذيلة توزيعا مناسبا : فالكفاح جزاؤه النّصر ، والاعتدال جزاؤه الصّحة ، والإدمان ، والرّذيلة جزاؤهما النّتائج الضّارة للجسم ، والعقل . غير أنّ هذه الجزاءات الطّبيعية ، في الحياة الدّنيا ، ليست كاملة ، ولا شاملة . ولذا فإنّ العدالة الإلهية قد تكفلت بإكمال هذا النّقص عن طريق الحساب في الآخرة . ولننظر الآن في موقف القرآن الكريم من عمل الإنسان ، ومقياس الحكم عليه . إنّ موقفه في هذا المجال واضح ، ومحدد كلّ التّحديد . فما يهتم به ليس هو التّنفيذ المادي للأمر ، وإنما « النّيّة » الكامنة وراء الفعل . ويعالج المؤلف موضوع « النّيّة والبواعث » في الفصل الرّابع . فإلى جانب اختيار الموضوع المباشر للعمل ، هناك اختيار الهدف البعيد . وفي حسن اختيار هذا الهدف تكون النّيّة الطّيبة بمعناها الأخلاقي الصّرف . ما هو المبدأ الأسمى الّذي يضعه القرآن كشرط للحكم على قيمة أعمالنا ؟ إنّه « التّنزه المطلق » بحيث يكون الهدف الوحيد للعمل هو ابتغاء وجه اللّه . إننا لا نجد فيه