محمد عبد الله دراز

41

دستور الأخلاق في القرآن

الدّاخلية ، أو الخارجية يستطيع أن يرغم الإرادة الإنسانية على اختيار مسار غير الّذي تختاره بنفسها . وقد يكون النّزوع ، أو الرّغبة ، أو المصلحة ، أو الإيحاء ، قد تكون هذه كلّها عوامل تحرك الإرادة وتدفعها ، ولكنها لا تنتج القرار ، لأنّها ليست سببه المباشر . فالقرار النّهائي ملك للإرادة ، وهي وحدها الّتي تملك حقّ إصداره بعد أن تكون قد استمعت إلى إغراء الحواس ، والبواعث الخارجية من ناحية ، وإلى نداء الضّمير من ناحية أخرى ، وبعد أن تكون قد وازنت بين اتجاهين ورجحت إحدى الكفتين . لكن هذه الحرية الشّاملة ، وهذا الاستقلال الكامل الّذي تتمتع به الإرادة الإنسانية إزاء « الطّبيعة » ، هل تملك حقّ المطالبة به إزاء « الخالق » ؟ أليس من الممكن في آخر لحظة من لحظات المداولة ، والاختيار أن يتدخل « للّه » جلّ وعلا ليرجح كفة الميزان في الاتجاه الّذي يريد ؟ في الحقيقة إن هذه المسألة عن « حتمية الإرادة العلوية » تستعصي على وسائلنا في الفهم ، والتّعليل ، وهي لا تثار إلا لإرضاء نزعة الجدل العقلي الّذي مهما كانت نتيجته ، لا يؤثر على الأخلاق ، ولا على العقيدة والإيمان . وبالنسبة للأخلاق - الّتي هي موضوع البحث - لا يهمنا حدوث الفعل بقدر ما تهمنا « الطّريقة » الّتي يتصور بها الإنسان سلوكه ، و « المبدأ » الّذي يتصرف بمقتضاه . وهذا كلّه يتلخص في كلمة واحدة هي « النّيّة » . وحينئذ فإنّ السّؤال الهام الّذي يجب أن يثار هو : ما هي نيّة الإنسان في الوقت الّذي يقرر فيه اختيار سلوك معين ؟ وهل يشعر أدنى شعور بأنّه مدفوع لاتخاذ قراره « بأمر إلهي » لم يسعه إلا الخضوع إليه ؟ وهل كانت نيته أنّه يجعل من نفسه ، وسيلة أو « أداة » لتنفيذ « الإرادة المقدسة » ؟ كيف يمكن حدوث ذلك إذا كان الإنسان لا يعرف الإرادة الإلهية سلفا ؟ إنّ الإنسان حين يعمل هذا ويترك ذاك يختار ما يراه الأنسب ، وتنعقد نيته