محمد عبد الله دراز

372

دستور الأخلاق في القرآن

ومن هنا أيضا كان للجزاء ثلاثة ميادين ، سوف ندرسها في هذا الفصل : الجزاء الأخلاقي ، والجزاء القانوني ، والجزاء الإلهي . 1 - الجزاء الأخلاقي : كثيرا ما يتساءل المرء عما إذا كان هناك ( جزاء أخلاقي ) ، أو عن إمكان وجود مثل هذا الجزاء ، أليس هذان اللفظان متنافرين تماما ؟ . . أليس إنكارا لطبيعة القانون الأخلاقي المنزهة على الإطلاق - أن نفترح للنشاط الإنساني غاية أخرى ، غير أداء الواجب لذاته ؟ . في رأينا ، أنّ الاعتراض يقوم على نوع من الخلط المؤسف بين علم الأخلاق ، والنّزعة الأخلاقية ، بين مقتضى العدالة في ذاتها ، والأهداف الّتي تنشدها الإرادة : وهما أمران متمايزان تماما ، دون أن يتوازيا بالضرورة . ولسنا نرى في الواقع أية إحالة في أن يكون لقانون معين جزاء صارم دون أن يدعونا أن نتخذ من جزاءاته حافزا لجهدنا ، والقانون الفيزيولوجي ( العضوي ) يقدم لنا مثالا على هذه الحقيقة : أليس جزاء الظّروف الصّحية الّتي أعيش فيها - موجودا آليا في الصّحة ، والمرض اللذين تسببهما ، حتّى عندما لا أفكر قط في هذه النّتائج ؟ . . فلما ذا يكون الأمر على خلاف ذلك في القانون الأخلاقي ؟ . . سوف تقول لي : إنّه يحرّم عليك أن توجه نظرك إلى شيء آخر غير أمره المهيب - ليكن ! ! ولكن ذلك لا يمنع أنّه يستطيع ، بل ويجب ، أن يحفظني من النّتائج المختلفة ، المنوعة التّطبيق ، حسب ما إذا كنت ألتزمه على تقوى ، أو أرفض الخضوع له في نزق ، وطيش .