محمد عبد الله دراز
373
دستور الأخلاق في القرآن
نعم ، إنّ جزاء ضروريا ، ومحددا ينبغي أن يطبق في فكرة القانون ذاتها ، وإذا كان القانون الأخلاقي لا يتضمن تنفيذه ، أو انتهاكه أية نتيجة لصالح الفرد الّذي يفرض عليه ، أو ضده ، فإنّ هذا القانون لا يكون باطل الأثر فحسب ، بل معتسفا وغير معقول ؛ بل إنّه لن يكون ملزما ، أي لن يكون هو ذاته . فكلّ ما في الأمر هو أن نعرف فيم يتمثل هذا الجزاء ، الّذي نصفه بأنّه أخلاقي ؟ ويجب بداهة أن نستبعد كلّ فكرة للثواب ، أو العقاب تؤثر في حواسنا الخارجية ، إذ أنّ مثل هذه الجزاءات ، فضلا عن أنّها لا يمكن أن تسمى « أخلاقية » ، فإنّها كذلك ليست ضرورية ، اللّهمّ ، إلّا إذا رجعنا بالفكر إلى عالم آخر ، يصبح فيه السّعادة ، والشّقاء - كلّ على حدة - على توافق تام مع الخير والشّر . ولكن ما دمنا بعيدين عن مجال الدّين ، فإنّ فكرة عالم كهذا غريبة عن الأخلاق الطّبيعية ، على وجه الإطلاق ، وهي الأخلاق الّتي لا تتجاوز حدودها مجال الضّمير الحالي ، وعليه ، فكم من رذائل في هذه الدّنيا توجت بالنجاح ! ! وكم من فضائل رازحة تحت ضروب البؤس ! ! ولدينا من ذلك في كلّ يوم مزيد . هل يجب أن نستعبد أيضا ، كما قد قيل - فكرة اللّذة ، والألم ، الباطنية المحضة ؟ . وهل ندم الضّمير ورضاه - من المشاعر الغريبة أيضا عن الحياة الأخلاقية ؟ . أليس لهما أي حقّ في الوجود بقوة القانون ؟ . . لقد قيل لنا : إنّ هذه المشاعر ليست - احتمالا - سوى بقايا مصفاة لفكرة موضوعية عن المسؤولية ، وإذا لم يكن النّدم خوفا مبهما من العقاب ، فإنّه التّوقع ، أو الرّجاء « 1 » .
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Levy Bruhl L'ide ? e de la responsabilite ? , d III S I