محمد عبد الله دراز

364

دستور الأخلاق في القرآن

الضّحايا لا يتحمل هو منها سوى جزء جد ضئيل ، لأنّ هذه التّعويضات سوف توزع - في الواقع - على مجموعة كبيرة من النّاس ، البالغين الأسوياء « 1 » ، الّذي يرتبطون معه عادة برباط من التّعاون الطّبيعي ، أو الاتفاقي ، والذين يشترك معهم كواحد منهم . فإذا عدمت هذه المجموعة الّتي تؤمن له راحة حقيقية من هذا الثّقل ، وجب على الدّولة أن تفي بدلا منه بهذه التّعويضات . ولقد نظن ، من أوّل وهلة ، أننا نشهد في هذا النّوع من المسؤولية مخالفات متكدسة ، لكنا لو تأملناها من قريب للمحنا أنّ الجانب الجماعي لا يتدخل هنا إلّا لكي يقلل إلى أدنى حدّ مساوئ ، موضوعية واقعية ، ولو كان ذلك بتحديدها أو تخفيفها . إنّ الطّبيعة المركبة للعمل الخاطئ غير المتعمد تضعه - كما رأينا - وسطا بين حالتين متطرفتين ، هما : العمل المقصود ، والحادث الّذي يقع بطريق الصّدفة المحضة ، فإذا كان يشبه كلا منهما من جانب ، فإنّه يختلف عنه من جانب آخر . وإذن ، فهو لا يحمل على جانب واحد ، أو آخر ، ولا يمكن أن يعامل بنفس الطّريقة ، ونتيجة لهذا لا يصح أن يظفر بلا مسؤولية كاملة ، ولا أن يكون موضوع مسؤولية كلّية . فواقع الأمر أنّ النّيّة السّيئة معدومة ، ومن العدالة أن يعفى من العقوبة . ومع ذلك ، فإنّ وجود خطأ معين يميزه كثيرا عن الحادث الاتفاقي ( الّذي وقع عرضا ، وبطريق الصّدفة ) ، ( حيث لا مجال في الوقع إلّا لمؤاخذة الطّبيعة ) ، وهو ما يؤكد ضرورة نوع من الإصلاح الإنساني .

--> ( 1 ) يطلق الفقهاء على من يتحمل الدّية في هذه الحال اسم ( العاقلة ) . « المعرب » .