محمد عبد الله دراز
365
دستور الأخلاق في القرآن
ولكن ، ممن نقتضي هذا الإصلاح ؟ . . أنفرضه كلّيا على الفرد ؟ . أليس معنى هذا أننا نوقع عقوبة مقصودة على خطأ غير مقصود ، وبذلك توسع المسافة بين المسؤولية الاجتماعية ، والمبدأ الأخلاقي ؟ . . لقد كانت مشاركة الجماعة جدا ملائمة حتّى تهدأ ثورة الضّمير . وليس هذا في الواقع نوعا من بعثرة مسؤولية وحيدة ، فإنّ المجتمع لا يمكن أن يوصف حقا بأنّه متعاون ، على أساس عمل تم بدون علمه ، بل أنّ نسبته إلى الفرد أمر عسير ، وهو ( أي المجتمع ) على أيّة حال لم يشارك فيه بوصفه مجتمعا . ولكن نصف المسؤولية الّذي يقع على كاهل الفرد ، يتولد عنه بالنسبة إليه موقف تعيس لا يستحقه . ولما كان المجتمع مسؤولا عن الرّفاهية النّسبية لأعضائه ، فما كان له أن يدع هؤلاء الأعضاء عرضة لبؤس غير متوقع ، وهم الّذين لم يكونوا صناعا مريدين لبؤسهم الخاص . ولهذا يخصص باب من نفقات الدّولة الإسلامية لأداء ديون الأفراد ، حيث جعل هؤلاء المدينون من مصارف الزّكاة ، فقال تعالى : وَالْغارِمِينَ « 1 » . وإذن فالتضامن الّذي نراه هنا هو نوع من التّعاون الخير ، الّذي يجب أن يتم في مواجهة الصّعوبات ، على سبيل التّبادل بين النّاس في المجتمع الواحد . ثمّ إنّ توزيع التّعويضات ، أو الغرامات المذكورة لا يحدث بصورة ميكانيكية ، على أساس التّساوي العددي بين أنصباء المسهمين ، بل يجب على العكس من ذلك أن نأخذ في اعتبارنا إمكانات كلّ فرد ، لنفرض عليه نتيجة لذلك نصيبا من شأنه ألّا يرهقه « 2 » .
--> ( 1 ) التّوبة : 60 . ( 2 ) انظر ، المجموع للأمير : 2 / 372 .