محمد عبد الله دراز
359
دستور الأخلاق في القرآن
صاحبها تدخلا إراديا معينا فيما يسبب من ضرر . . ولا فرق حتّى الآن بين شروط المسؤولية الإصلاحية المدنية ، وشروط المسؤولية الجزائية العقابية ، فالحادثة الّتي تقع بواسطتنا ، ولكن مستقلة عن إرادتنا ، وبموجب قوة قاهرة ( في مثل ما قد يحدث من تصادم سفينتين بسبب الرّيح ، أو سقوط لاعب حتمه انقطاع الحبل الّذي كان يمسك به مع رفيقه ) - مثل هذه الحادثة لا يمكن أن تنشئ ضدنا أي إجراء تأديبي ، أو تعويضي ، وحدث من هذا النّوع يصبح هدرا « 1 » . وهكذا نجد أنّ الخلط الّذي أشار إليه فوكونية [ Fauconnet ] في الشّرائع الإغريقية ، والرّومانية ، والعبرية . . إلخ . بين الحالة العارضة ، وحالة الخطأ بحسن نية - هذا الخلط لا موضع له في الشّريعة الإسلامية ، بل الأمر ، على ما ذكرنا آنفا . هو أنّ العمل الإرادي ، ليس من الضّروري أن يكون مقصودا . وإذن ، فعلى حين تفترض المسؤولية العقابية النّيّة المضادة للقانون ، تماما كالمسئولية الأخلاقية ، نجد أنّ المسؤولية المدنية ، سوف تكتفي بمجرد وجود الإرادة . وهنا يمكن أحد الفروق الرّئيسية بين هذه المجالات المختلفة ، فإذا كان الضّرر النّاتج عن الخطأ ، أو الغفلة ، أو عدم الحذق - لا يحتم أن يعزر صاحبه ، فإنّه يخضعه في مقابل ذلك لتكليف مالي لمصلحة الضّحية . وقد وضع القرآن التّشريع الأساسي للقتل النّاشئ عن الخطأ ، فقال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا « 2 » . وقد مثلت السّنة بهذا كلّ ضرر يرتكب
--> ( 1 ) انظر ، المجموع للأمير : 2 / 358 . ( 2 ) النّساء : 92 .