محمد عبد الله دراز
358
دستور الأخلاق في القرآن
في الحياة ، وفي الأمن . سوف تضمن لنا هذه المعاني - على الأكثر - إنّه لن يعود إلى الجريمة ، ولكنها لا تستطيع أن تضمن إنّه لن يكون قدوة تحتذى من أولئك الذين يعملون على أتباعه ، وإذن فإنّ هناك ضرورة مزدوجة ، خارج الأمر الأخلاقي ، أو مبدأ العدالة المجرد ، هذه الضّرورة تفرض نفسها على أنّها محتومة ، وهي تنظر إلى الماضي وإلى المستقبل معا ، وتتطلب تطبيق العقوبة ، حتّى عندما يصبح جانب المبدأ الأخلاقي مستوفي راضيا بطريقة أخرى . هذه الضّرورة المزدوجة هي - من ناحية - اقتضاء شرعي من الأفراد ذوي الشّأن في العمل ، وهم الذين أهينت مشاعرهم نتيجة الشّر الحادث ، وهي من ناحية أخرى : حفاظا على النّظام العام ، وصيانة للمجتمع ضد العدوي الأخلاقية ، حين لا يعاقب الشّر بمثله ، وتوقيا من تشجيع الشّر ، إذا ما بقي المذنب دون عقاب . بيد أنّ البون بين الجانب الأخلاقي ، والجانب القانوني - يصبح شاسعا ، بمجرد انتقالنا من المسؤولية العقابية إلى المسؤولية المدنية . ولا شك أنّ ذلك غير ناشئ عن أنّ الطّابع الشّخصي قد اختفي تماما ، ولا عن أنّ النّشاط الإرادي لم يعد شرطا ضروريا في المسؤولية ، ليس هذا مطلقا هو الموقف في الشّريعة الإسلامية ، ولا ينبغي أن يعترض علينا بمثال المغتصب الّذي يستحل شيئا لا يخصه ، ويستخدمه مخالفا بذلك القانون ، ثم يعتبر مسؤولا عن كلّ ما يحدث لهذا الشّيء ، حتّى لو كان طارئا ، ووقع بمحض الصّدفة . ذلك أنّ عمله الأولي - ما دام قد اتسم بسمة العدوان ، وسوء النّيّة . . فمن العادي جدا أن تكون جميع نتائجه الطّبيعية داخلة فيه . ولكن إذا ما نحينا هذه الحالة جانبا ، فإنّ كلّ مسؤولية مباشرة تتطلب من جهة