محمد عبد الله دراز
357
دستور الأخلاق في القرآن
دون أن تتجاوزها بالضرورة إلى المجال الاجتماعي « 1 » . والواقع أنّ السّنة تقدم لنا حالات زنا ، يتقدم المذنبون فيها ليقروا تلقائيا بجريمتهم ، وليطلبوا بإلحاح تطبيق العقوبة عليهم ، وعليه فإنّ النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع علمه بعظمة هذه اللّمحة منهم ، وروعة القيمة في توبتهم - لم يتردد في أن يوقع عليهم الجزاء المنصوص عليه في الشّرع ، وكذلك الحال في كل اعتداء يرتكب ضد شخص الغير ، أو ماله ، أو عرضه ، ثم يتوب المعتدي قبل أن يعاقب . فالموقف الدّاخلي الّذي كان يعتمد عليه في تجريم الفعل لا قيمة له إذن حين يكون المطلوب إيقاف الآثار السّيئة الّتي حدثت من قبل ، إذ تتدخل هنا بالذات اعتبارات مختلفة ، فوق الاعتبارات الشّخصية [ extra - personnelles ] هي الّتي تفرض الجزاء ، أمّا النّدم ، والتّوبة ، والإرادة الطّيبة الّتي عادت مرة أخرى ، فربما تكفي لتحسين حال المذنب ، وتأكيد احترامه للقانون ، ولكنها لا تكفي لتهدئة المشاعر الأليمة الّتي آثارها المذنب لدى الأشخاص الذين انتهك حقهم المقدس
--> ( 1 ) نصّ هذا الموضوع كما جاء في المحلى لابن حزم : 11 / 152 - 158 - بتصحيح من خليل الهراس : « قال أبو محمّد : قال قوم : إنّ الحدود كلّها تسقط بالتوبة ، وهذه رواية رواها أبو عبد الرّحمن الأشعري عن الشّافعي ، قالها بالعراق ، ورجع عنها بمصر . . . ثم نظرنا أيضا في احتجاجهم على هؤلاء المذكورين بأنّهم قد أجمعوا على أنّ التّوبة تسقط عذاب الآخرة ، وهذا العذاب الأكبر ، فأحرى وأوجب أن تسقط العذاب الأقل ، الّذي هو الحد في الدّنيا . . . وعذاب الآخرة غير عذاب الدّنيا ، وليس إذا سقط أحدهما وجب أن يسقط الآخر ، إذ لم يوجب ذلك نصّ قرآن ، ولا سنة ، ولا إجماع ، وكثير من المعاصي ليس فيها في الدّنيا حدّ ، كالغصب ، ومن قال لآخر : يا كافر ، وكأكل لحم الخنزير ، وعقوق الوالدين ، وغير ذلك ، وليس ذلك بموجب أن يكون فيها في الآخرة عقاب ، بل فيها أعظم العقاب في الآخرة ، فصح أنّ أحكام الدّنيا غير متعلقة بأحكام الآخرة » . وبذلك نرى أنّ المؤلف لخص وجهة نظر الفقه الظّاهري في المشكلة ، كما زاد كلام ابن حزم تفسيرا . « المعرب » .