محمد عبد الله دراز
356
دستور الأخلاق في القرآن
الفقهاء « 1 » ، فيما يتعلق بتحديد الحقوق الّتي تسقط بهذا الأعفاء . وقد لاحظ ابن حزم بحقّ أنّ الإمام الشّافعي في مذهبه القديم الّذي كان يعلمه في العراق - كان يعتقد أنّه يستطيع تعميم هذه الحالة الخاصة ، وأن يجعلها مبدأ عاما يقرر أنّ التّوبة تجبّ الحدود ، ولكنه حين جاء إلى مصر وأقام بها ، وعرف من السّنة قدرا أفضل من ذي قبل تخلى عن هذه الفكرة ، فعاد ، في مذهبه الجديد إلى النّظرية العامة ، الّتي تميز في هذا الصّدد نوعين من المسؤولية ، تابعتين ، كلّ على حدة ، لنظامين إسلاميين مختلفين : أحدهما ينظم الحياة الدّنيا ، والآخر يخص الحكم العلوي في الآخرة . وبذلك تظل فاعلية التّوبة في الإطار الدّيني ،
--> ( 1 ) على حين مدّ بعضهم هذا الإبطال إلى جميع الجزاءات المتعلقة بالحقوق العامة ، الّتي ينتهكها العصاة المحاربون ، بصرف النّظر عن ردّ الأشياء الّتي ما زالت في أيديهم - يستثني آخرون أيضا القاتل الّذي لم تعف عنه أسرة الضّحايا ، وفريق ثالث يتحفظ أيضا بالنسبة إلى جميع الأضرار الّتي لم يتنازل عنها أصحاب الحقّ فيها . وفريق رابع ، ومنهم الإمام مالك ، لا يخلعون على هذه التّوبة سوى أهمية ضئيلة ، ويعلقون بخاصة على أنّ هناك نوعية واستثناء في جزاء المحاربين ( أعني تطبيقه على قطاع الطّرق غير القتلة ، أو اللّصوص ) ، وترى هذه المدرسة الأخيرة أنّ المحاربين الذين يعودون إلى كنف المجتمع باختيارهم يستحقون أيضا جميع العقوبات المتصلة بالحقّ العام العادي ، وكذلك بالأحوال الشّخصية ، الّتي يطلق عليها : حقّ اللّه ، ومثال ذلك عقوبة الخمر . « المؤلف » . وقد أعتمد المؤلف في تعديد هذه الأقوال على ما ذكره ابن رشد في ( بداية المجتهد ونهاية المقتصد : 2 / 497 ) ، قال : « وأمّا ما تسقط عنه التّوبة فاختلفوا في ذلك على أربعة أقوال ، أحدها : أنّ التّوبة إنّما تسقط عنه حدّ الحرابة فقط ، ويؤخذ بما سوى ذلك من حقوق اللّه ، وحقوق الآدميين ، وهو قول مالك . والقول الثّاني : أنّ التّوبة تسقط عنه حدّ الحرابة ، وجميع حقوق اللّه من الزّنا ، والشّراب ، والقطع في السّرقة ، ويتبع بحقوق النّاس ، من الأموال ، والدّماء ، إلّا أن يعفو أولياء المقتول . والثّالث : أنّ التّوبة ترفع جميع حقوق اللّه ، ويؤخذ بالدماء ، وفي الأموال بما وجد . . والقول الرّابع : أنّ التّوبة تسقط جميع حقوق اللّه ، وحقوق الآدميين من مال ، ودم ، إلّا ما كان من الأموال قائم العين بيده » ، وبذلك يتضح أنّ المؤلف قد خالف فقط في ترتيب الآراء المختلفة ، مع أنّه قد أحال قارئه إلى نفس المرجع . « المعرب » .