محمد عبد الله دراز

352

دستور الأخلاق في القرآن

من ذلك في تفسير هذه النّصوص ، فهي تتجه لا إلى تخليص هذه الكائنات من العقوبة المؤلمة فحسب ، ولكن أيضا إلى إعفاء مالك الحيوان من كلّ غرم على سبيل الجزاء ، وكذلك من يحملون همّ الأطفال ، والمعتوهين « 1 » . ومن ناحية أخرى ، نجد أنّ تعميم صيغة فوكونية الثّانية - على الرّغم من كلّ القيود الّتي أوردها - يبدو منهارا أمام الشّرع القرآني ، لأنّ القرآن حين يأمر بالدية ، والكفارة في حالة القتل الخطأ - إنّما يحمي القاتل الّذي لا إرادة له من أية عقوبة بدنية . وبصرف النّظر عن القانون الرّوماني ، الّذي يبدو أن تطوره قد تحقق في هذا الاتجاه ، ألم يكن من الواجب على الأقل أن يستثني المؤلف ذلك النّظام الإسلامي الّذي استبعد بضربة واحدة ، وبدون تردد ، أو تحرج ، جميع الضّلالات المذكورة حول المسؤولية العقابية ؟ . إنّ صياغة هذا التّحفظ حول نتيجتي فوكونية ، المعممتين - معناه في نفس الوقت أننا نعترف للشريعة الإسلامية بصفتها الثّورية ، الّتي لا تدع نفسها للتفسير الطّبيعي بوساطة السّوابق التّأريخية ، اللّهمّ إلّا إذا افترضنا بلا داع في التّأريخ العربي القديم ، الّذي لا ندري عنه شيئا - تطورا معينا ، كان الإسلام غايته : وهو ما يؤدي إلى تلك المناقضة القائلة بأنّ الصّحراء العربية كانت متميزة بالطبيعة ، وأنّها بدأت ، وأنهت تقدمها الاجتماعي قبل الأوان ، متقدمة في ذلك على بقية أجزاء الكرة الأرضية .

--> ( 1 ) انظر : 296 .