محمد عبد الله دراز

353

دستور الأخلاق في القرآن

ولقد قلنا دائما من وجهة نظر الشّريعة الإسلامية : إنّ المسؤولية العقابية تبقى شبيهة بالمسئولية الأخلاقية ، وهو قول صحيح في كثير من الوجوه ، ومع ذلك فهي تتميز عنها بسمات جوهرية . وأوّلها : أنّه بالرغم من أنّ العمل الدّاخلي ، والواقع الخارجي مختلطان في العقل بطريقة لا تنفصم ، فيما يتعلق بأي حكم بالمسئولية ، سواء أكانت أخلاقية أم عقابية ، إلّا أن العنصر المتحكم ، أو مركز الثّقل يغير مكانه تبعا لوجهة النّظر الّتي يؤخذ بها . فحركة الضّمير هي الّتي تهمنا بصفة أساسية في مجال المسؤولية الأخلاقية ، وهي لازمة لها بصورة مطلقة . فالعمل البدني المحض لا يمكن مطلقا أن ينشئ مسؤولية أخلاقية . والعمل الإرادي لا يمكن أن ينشئها إلا متجاوبا مع نيته . وبعكس ذلك نجد أنّ العقوبة تعترض مقدما واقعا خارجيا ، وتستهدفه دائما . ذلك أنّ أشد النّوايا سوادا ، كأشدها نقاء ، كلاهما عاجز عن أن يفرض حكما بالمسئولية القانونية حين يكون مفردا ، غير مصحوب بتعبيره المادي . وقد حدث في الحالات القصوى ، أنّ العنصر المتفوق يمكن أن يصبح العنصر الوحيد ، وهو أمر لا ريبة معه في الإطار الأخلاقي ، وإذا ما اقتضى الأمر هنا إظهار الإرادة ، فليس معنى ذلك أنّ القرار الّذي أتخذ داخليا قرار قاصر في ذاته عن أن ينشئ الواقع الأخلاقي ، ولكن ، بما أنّ التّنفيذ لا يحقق إلا امتداد القرار ، والإبقاء عليه ، وتعزيزه ( كما يقيس من وجهة نظر المشاهد درجة التّصميم والفاعلية ) . فإنّ هذا التّنفيذ يسبب بذلك مسؤوليات جديدة ، أو على وجه الدّقة