محمد عبد الله دراز

35

دستور الأخلاق في القرآن

بل غلبت عليها آراء أخرى في الفقه ، والشّريعة ، وعلوم الدّين ، واللغة . كما أنّ النّظرية الّتي أراد هؤلاء المفكرون أن يبرزوها كانت تعتمد إلى حد كبير على الرّأي الشّخصي ، أو كانت تعبر عن اتجاه المدرسة الفكرية الّتي ينتمي إليها صاحب النّظرية ، ولم تكن الاستعانة بالآيات القرآنية إلّا من قبيل الاستشهاد بها في تأييد هذا المبدأ ، أو ذاك . أمّا مؤلفنا فقد وضع نفسه منذ اللحظة الأولى على أرض الأخلاق ، وأخذ يعالج المسائل الأخلاقية الواحدة بعد الأخرى ، بحسب المفاهيم ، والمعايير الّتي تعالج بها عند علماء الأخلاق المحدثين . ومن ناحية أخرى نجده يعني بمناقشة الحلول الّتي جاء بها بعض المفكرين في الشّرق ، أو الغرب ، متخذا من آرائهم ، ومبادئهم ، وسيلة للمقارنة . وهو أثناء ذلك كلّه يجعل من القرآن دائما نقطة ارتكازه ، ويعتمد في استخلاصه للإجابة الشّافية على المسائل المطروحة ، اعتمادا مباشرا على النّصوص القرآنية . وهنا ، في الحقيقة ، وجد الصّعوبة . إذ أنّ القرآن الكريم - كما نعرف - ليس كتاب فلسفة ، إذا كنّا نقصد بالفلسفة مجموعة من الأفكار نابعة من العقل ، وتتسلسل وفق منهج معين ، ويكون الغرض منها تكوين نسق من المبادئ لتفسير طائفة من ظواهر الطّبيعة ، أو الكون . إذا كنّا لا نستطيع أن نجد في القرآن هذا النّسق لأوّل وهلة ، ألّا توجد ، مع ذلك ، وسيلة لجمع العناصر والمواد الأولية اللازمة لبنائه ؟ لقد سأل المؤلف نفسه هذا السّؤال بالنسبة « للمشكلة الأخلاقية » ، ووجد له من خلال بحثه الحل الإيجابي . فبعد أن نحّى جانبا الأحكام الأخلاقية الخاصة ، أخذ يتأمل في النّص القرآني الكريم باحثا عن سمات « الواجب » ، وعن طبيعة « السّلطة » الّتي ينبعث عنها « الإلزام » أو التّكليف ، وعن درجة « المسؤولية » الإنسانية وشروطها ، وعن طبيعة « الجهد » المطلوب للعمل الأخلاقي ، والمبدأ الأسمى الّذي يجب أن يحفز « الإرادة » للعمل .