محمد عبد الله دراز
36
دستور الأخلاق في القرآن
وفي كلّ من هذه المسائل استطاع المؤلف أن يستخلص عددا من الصّيغ العامة الّتي تحدد رأي القرآن ، وتستوفي النّاحية النّظرية . وكان هدفه الإجابة على هذا السّؤال الجوهري : كيف يصور القرآن عناصر الحياة الأخلاقية ؟ وعندما يحتدم النّزاع بين المدارس الفكرية كان الاحتكام في جميع الحالات إلى نصوص الكتاب المنزل للاهتداء بها في الأخذ برأي معين دون سواه . وتهيمن على الكتاب من أوّله إلى آخره فكرة رئيسية ، وهي أنّ الحاسة الخلقية انبعاث داخلي فطري ، وأنّ القانون الأخلاقي قد طبع في النّفس الإنسانية منذ نشأتها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 1 » ، والواقع أنّ الإنسان العادي يستطيع أن يميز إلى حد ما ، وفي كلّ ما يقوم به من أنواع السّلوك ، بين ما هو « خير » ، وما هو « شرّ » ، وبين ما هو « محايد » لا ينفع ، ولا يضر ؛ وذلك مثلما يميز في عالم المحسوس بين « الجميل » و « القبيح » ، و « المجرد » من كلّ تعبير . ولا يقتصر الأمر فقط على « المعرفة » بل إنّ مظهر الفعل الحسن ، أو الفعل القبيح يثير فينا مشاعر جد مختلفة ، فنمتدح بعض أنواع من السّلوك ، ونستهجن بعضها الآخر . غير أنّ هذا القانون الأخلاقي المطبوع فينا ناقص ، وغير كاف . ليس فقط لأنّ العادة ، والوراثة ، وأثر البيئة ، والمصالح المباشرة تفسد نوازعنا التّلقائية ، وتلقي أنواعا من الظّلال على نور بصيرتنا الفطرية ، وليس فقط لأنّ شواغل الحياة في الدّنيا تستوعب الجزء الأكبر من نشاطنا الواعي ؛ بل إنّ ممارسة الأخلاق في أحسن الظّروف الملائمة تواجه صعوبة أخرى رئيسية : وهي أنّ الضّمير إذا اقتصر على مصادره الفطرية وحدها ، وجد نفسه عاجزا ، في غالب الأحيان ، عن أن يقدم في جميع الظّروف ،
--> ( 1 ) الشّمس : 7 - 8 .