محمد عبد الله دراز
348
دستور الأخلاق في القرآن
عنها المسؤولية العقابية من حيث الواقع - فيعرض أمامنا تطورا تأريخيا ثانيا لهذه الفكرة عن المسؤولية ، الّتي تحولت من كونها فكرة موضوعية في البداية ، إلى فكرة ذاتية أكثر فأكثر . ثم نجده يختم بحثه قائلا - بعد أن صاغ عدة تحفظات فرضتها الأحداث الملحوظة - : عندما يحتفظ الجزاء بصفات القصاص ، أي عندما يكون قودا منظما ، أو بصفات الدّية [ Wergeld ] « 1 » ، أو بصفات كفارة دينية . في هذه الظّروف كلّها يكفي العمل المادي الخاطئ وحده في خلق مسؤولية المتهم الّذي يتحملها ، حتّى لو كان ناشئا عن إهمال ، أو كان ذا صبغة عرضية عن طريق الصّدقة المحضة . ولا ريب أنّ مؤلفنا لكي ينتهي إلى هذه النّتيجة العامة - كان عليه أن يدرس النّظام العقابي خلال حقبة من التّأريخ ، وعلى جزء من سطح الأرض رحب الامتداد ، يضم مجتمعات ذات تكوين متنوع إلى أقصى حدّ ، ابتداء من القبائل الأسترالية ، وقبائل شمالي إفريقية ، حتّى أوروبا الحديثة ، مارا بالصين ، والهند البرهمية ، وفارس ، وبني إسرائيل ، واليونان ، والجرمانيين ، والرّومان ، ومجموعة الشّعوب المسيحية ، حتّى ليقول المؤلف : ولذلك وجدنا في نظام دراكون « 2 » الّذي بقي في أثينا حتّى الغزو الرّوماني - أنّ عقوبة القتل الخطأ ( اللاإرادي ) كانت النّفي المؤقت « 3 » .
--> ( 1 ) انظر ، 1 - Fauconnet , La Responsabilite , Etude de Sociologie , P . 117 ( 2 ) دراكون : شرع في أثينا ، في القرن السّابع قبل الميلاد ، وقد أشتهر القانون الّذي وضعه بصرامة عقوباته . « المعرب » . ( 3 ) انظر ، 1 - Fauconnet , La Responsabilite , Etude de Sociologie , P . 110