محمد عبد الله دراز

335

دستور الأخلاق في القرآن

الّذي هو التّعليم الموحى ، أو غير الموحى . فكل قرار ، حسنا كان ، أو قبيحا ، هو أشبه بعملية إنفاق من ذلكم الكنز العظيم الّذي أودعه الخالق رهن تصرفنا في الفطرة ، جوانية ، وبرانية ، والاتفاق على هذا الكلام أيضا إجماعي . ولكن ألّا توجد ، فضلا عن هذا الجهاز العام الّذي جعله الخالق في متناول كلّ إنسان - مساعدة خاصة يمنحها اللّه لبعض العباد ، ويحرم منها الآخرين ؟ وهل يتمتع الطّيبون ، والصّالحون ، والمصطفون من بين النّاس بامتياز ، أو مساعدة مكملة لاختيارهم الحسن ، على حين ترك الآخرون لمواردهم العامة ؟ هنا يبدأ النّقاش بين أهل السّنة الذين يثبتون هذه المساعدة ، والقدرية ( معتزلة ، وشيعة ) الذين ينكرونها مطلقا . ويرى هؤلاء الأخيرون أنّ مثل هذا الامتياز سوف لا يكون متفقا مع العدالة الإلهية ، إذ لما ذا نزن بوزنين ؟ فكلّ ما يلزم للحكم الصّحيح ، والاتجاه الصّائب يجب أن يكون ، في وسع كلّ فرد ، وعلى كلّ فرد أن ينظم هذه الثّروة المشتركة ، وأن يستغلها إلى أقصى حدّ ، تحت مسئوليته الكاملة ، ولخيره ، أو شرّه . هذه الطّريقة في النّظر لها أساس من الحقّ ، والواقع أننا لكي نصون عدالة السّماء ، يبدو لازما أن نقرر حدا أدنى من القدرة الإنسانية ، الضّرورية ، والكافية لأداء واجبنا ، وإثبات مسؤوليتنا على أن يكون ذلك الحد الأدنى شاملا ، وموزعا على سواء . ولكن لما ذا نقف ضد البداهة باسم هذا المبدأ العام ، وندعي أنّ الخالق قد خلق كلّ النّاس في نفس الظّروف المناسبة كيما يريدوا الخير ، ويقصدوا إلى الحقّ ؟