محمد عبد الله دراز
334
دستور الأخلاق في القرآن
وإرادتنا فيما يتعلق بوجودها في حيز القوة ، كملكة اختيار بعامة ، لا تصدر فقط عن الفعل الخالق الأولي ، الّذي ليس فعلنا - ليس ذلك كلّه فحسب ، ولكن الطّريقة الخاصة الّتي تحقق بها كلّ إرادة إنسانية ذاتها فعلا - تخضع من وجوه كثيرة لسلطان الخالق ، ولو أنّها أوتيت الوسيلة الّتي تتخلص بها من علم اللّه ، وقدرته العلوية ، لأصبح في ملك اللّه ممالك بقدر ما يوجد في العالم من كائنات عاقلة . إنّ وحدة الكون تتطلب وحدة التّدبير ، وتبرهن عليها ، ولن يأذن اللّه لمخلوقه أن ينقلب ضده ، فكلّ ما يجري على عينه خاضع لرقابته . ولئن كان الشّر الأخلاقي لا يتفق مع إرادته التّشريعية ، فما كان له أن يقف في وجه إرادته الخالقة ، فيجب إذن على الأقل ، ألّا يصادف عمل إرادتنا عائقا فوق الطّبيعة ؛ أي أنّه يجب أن يحصل من السّماء على نوع من الإجازة ، والرّضا ، وذلك هو ما تفيده الآية الكريمة : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ « 1 » ، والآية : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ * « 2 » . وهذا الكلام لا ينازع فيه أي إنسان يؤمن بوجود عناية إلهية . فلنتجاوز هذا الحد . إنّ اللّه تعالى سبحانه - فضلا عن هذه المساعدة السّلبية بعدم الاعتراض قد حاط ( قدرتنا على الاختيار ) بجهاز قوي ، ومعقد ، تتفرع عنه كلّ قراراتنا ؛ وهذا الجهاز يتألف من العقل ، والحواس ، والنّزعات ، والجاذبية الحسية ، والقيم الرّوحية ، كما تتضمن تلك الرّؤية الجوانية الّتي هي الضّمير ، وذلك النّور البراني
--> ( 1 ) الأنعام : 112 . ( 2 ) الدّهر : 30 ، والتّكوير : 29 .