محمد عبد الله دراز

333

دستور الأخلاق في القرآن

أضأنا عقلنا ، أو طمسناه : كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » ، حكمنا أهواءنا ، أو اتبعناها : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ « 2 » . بيد أنّ الصّعوبة إذا ارتدت إلى الوراء على هذا النّحو لا تصبح ملغاة نهائيا ، لأنّه ، كلما ارتقينا في مراتب أعمالنا الجوانية يجب علينا أن نتوقف في كلّ خطوة لنسأل أنفسنا عما إذا كان هذا العمل إنسانيا محضا ، فهو إذن يتضمن حدا للفعل الإلهي ، أو هو من خلق اللّه ، فهو إذن لا يرجع إلى أي خطأ من جانبنا . ولو أننا فهمنا جيدا موقف القرآن من مشكلة الاختيار الحر لوجدناه مناقضا لموقف « كانت » على خط مستقيم . فالقرآن مع مقابل حتمية « كانت » في نظام الظّواهر - استقلال إرادتنا الكامل بالنسبة إلى أحداث الطّبيعة . أمّا في النّظام الماهيّ المعقول [ l ordre - noume ? nal ] ، فإنّ هذا الاستقلال على العكس سوف يفسح المجال لتبعية مزدوجة ، بل مثلثة ، للإرادة الإلهية . فإرادتنا فيما يتعلق بفاعليتها - لا تصدر عن مساعدة العناية الإلهية فحسب ، لكي تبلّغ جهودنا غايتها ، أو تقطعها عن آثارها . فالزوج الّذي يودع جرثومة ولده الحيوية لا يكمل له خلقه ، ولا ينفخ فيه الحياة : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ « 3 » ، والزّارع الّذي يجهز أرضه ، ويبذرها لا يفلق الحب ، ولا ينضره : أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ « 4 » .

--> ( 1 ) المطففين : 14 . ( 2 ) الأعراف : 176 . ( 3 ) الواقعة : 58 - 59 . ( 4 ) الواقعة : 63 - 64 .