محمد عبد الله دراز

332

دستور الأخلاق في القرآن

فهذه كلّها ليست سوى أدوات بين يدي اللّه ، نوعا من اللجام الّذي يقودنا به كما يشاء ، واقرأ في هذا قوله تعالى : كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ « 1 » ، وقوله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ « 2 » ، وقوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 3 » ، وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ « 4 » . ولا ريب أننا نستطيع أن نحاول تركيبا في هذا المجال الجديد ، والقرآن نفسه يقدم لنا مبدأ هذا التّركيب ، حين يعلن : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ « 5 » . فهو إذن حين يقرر أنّ اللّه هو الّذي يحكم إرادتنا لا ينجم عن ذلك إبراء ساحتنا ، لأنّ اللّه لا يفعل ذلك ابتداء مطلقا ، وإنّما هو يجريه كنوع من الإجراء المقابل ، أي كرد على بعض الأشياء من جانبنا . وإذن ، فسواء شعر قلبنا بالفرح ، أو بالانقباض لمعرفة الحقيقة ، أو لممارسة الفضيلة ، وسواء ضل عقلنا أو اهتدى ، توجهت أحكامنا نحو الخير ، أو نحو الشّر - فإننا حين نقرر أنّ جميع هذه الآثار تحدث فينا بوساطة قوة عليا ، وفوق الطّبيعة ، نجد أنّ سوابقها تصدر عن إرادتنا . فنحن الذين بدأنا ، بأن انفتحنا على النّور ، أو بأن تحولنا عنه : وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ « 6 » . نحن الذين بدأنا بأن

--> ( 1 ) الأنعام : 108 . ( 2 ) الأنعام : 125 . ( 3 ) الإنسان : 30 . ( 4 ) الأنفال : 24 . ( 5 ) الرّعد : 11 . ( 6 ) الزّخرف : 36 .