محمد عبد الله دراز

327

دستور الأخلاق في القرآن

حياة بريء أمر مقيت ، لا يصلح التّعلل بالمحافظة على حياتنا لإباحته ، فلأن نموت خير من أن نقتل . وهكذا تبدو لنا الإرادة الإنسانية في علاقتها بأحداث الفطرة الدّاخلية ، أو الطّبيعة الخارجية - من خلال القرآن ، حرة مستقلة . فهل يترتب على ذلك استقلالها المطلق ضرورة ؟ وهل إذا جاز لنا أن نقول : إنّ أي مخلوق ليست لديه قدرة تكرهه ، هو نفسه - أيجب أن نستنتج من هذا أنّ خالق الطّبيعة ذاته لا وجود له في نشاطنا ؟ إنّ هذا السّؤال يعني أنّ المشكلة الميتافيزيقية ، أو بالأحرى : الإلهية ، للقضاء الأزلي ، تطرح أمامنا كاملة . لقد قدمنا في مؤلف نشر من قبل بالعربية « 1 » ، لمحة تأريخية عن هذا الموضوع ، وحاولنا أن نعطي تمحيصا نقديا لمختلف الأفكار الّتي اصطرعت في الفكر الإسلامي ، وحسبنا أن نعيد هنا الخطوط البارزة لما عرض آنذاك . ونشير أوّلا إلى غموض مصطلح القدرية [ pre ? destionisme ] الّذي قد يقصد به معنيان مختلفان ، فهو بالمعنى المحدد الدّقيق - النّظرية الّتي تلغي إلغاء تاما كلّ نشاط إرادي فعلا ، يقوم به الإنسان . ولكن القدرية ، بمعنى أوسع ، تعني سبق العلم الإلهي فحسب . فإنّ اللّه قد خلق كلّ طاقات الكون وقواه ، طبقا لتدبير سابق ، بما في ذلك ملكة إرادتنا ، وهو يعلم مسبقا كيف ستعمل كلّ من هذه القوى ، وما الأحداث الّتي ستنتج عن نوع عملها ، ولكن لم يقل لنا - إيجابا أو سلبا - إذا كان اللّه سبحانه يتدخل في تسيير هذه القوى كلّها بمجرد أن توضع في

--> ( 1 ) المختار - نشر بالقاهرة عام 1932 م .